تتنزّل النفس الإنسانية في هذا الكون بين حدَّينِ مباعدَين: بصرٌ يلمس ظواهر الأشياء، وبصيرةٌ أُمرت بالتثبّت والنظر في ملكوت السماوات والأرض. غير أن هذا العقل البشري — على خطورته ومكانته — ليس مرآةً مصقولةً تعكس الحقيقة المجرّدة كما هي، بل هو جهازٌ معقّد للترشيح والتأويل؛ صُمّم في جبلّته الأولى ليعين الإنسان على العيش ومكابدة الحياة بأقل قدرٍ من التكلفة المعرفية. ومن رحم هذا السعي الدائب نحو التبسيط، تتسلل (الانحيازات المعرفية) (Cognitive Biases)؛ لتشكل "هندسة خفية للإدراك" تصوغ قناعات الإنسان، وتوجّه قراراته، وتوهمه بالصواب وهو يخوض في عمق الخطأ.
إن القرآن الكريم، في خطابه المعجز للبشرية، لم يعامل العقل ككيانٍ معصوم، بل شرّح آفاته وأهواءه بلسانٍ عربي مبين، فجاء التكليف الإلهي بالتحري والتفكر ليحرر الدماغ من خدعه الذاتية، ويخرجه من ظلمات الظن إلى نور اليقين، ومن أهم الانحيازات التي أكدها القرآن الكريم:
أولاً: الانحياز التأكيدي (Confirmation Bi) جون الهوى وغرف الصدى:
ينزع العقل البشري تلقائياً إلى التقاط ما يوافق قناعاته السابقة، وتهميش أو تأويل كل ما يناقضها. إنه لا يبحث عن الحقيقة ليتبعها، بل يبحث عن الشواهد التي تبرر موقفه المسبق؛ وذلك فراراً من حالة "التنافر المعرفي" التي تسبب له القلق والاضطراب، وهذا المعنى هو ما جلاه القرآن الكريم في وصف أولئك الذين جعلوا مسبقاتهم الفكرية حاجزاً بينهم وبين الحق، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَٰذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ [سبأ: 43]، فالانحياز التأكيدي هنا يتجلّى في الارتهان إلى موروث الآباء والتفتيش الدائم عما يسانده، حتى لو تجلت البينات كالشمس. وفي عصر المعرفة الحديث، تحولت هذه الحيلة إلى ما يُعرف بـ "غرف الصدى" على منصات التواصل، حيث ينغلق المرء على خوارزمياتٍ لا تطعمه إلا ما يشتهي عقله، فيزداد تعصباً لوهمه.
ثانياً: الانحياز السلبي (Negativity Bias) غريزة الحذر وضيق الأفق:
يمتلك العقل حساسيةً مفرطة تجاه الأخطار والتهديدات؛ فإهانةٌ واحدة قد تظل عالقة في الذاكرة لسنوات، بينما تتلاشى مئة كلمة مدح في طيات النسيان تعود هذه الخدعة المعرفية إلى آليات البقاء البدائية؛ حيث كان الانتباه للخطر يضمن النجاة من الموت، في حين كان الغفول عن المكافأة مجرد خسارة لفرصة عابرة، لكن هذا الانحياز إذا استبدّ بالإنسان، أورثه السوداوية وجحود النعم، وهو الخاطر الذي يحذر منه الحق تبارك وتعالى حين يبيّن طبيعة الوسواس الذي يضخم الخوف ويغفل الرحمة، كما في قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا﴾[البقرة: 268]، فالوعد بالفقر هو اتكاءٌ على الانحياز السلبي لتكبيل إرادة الإنسان وإدخاله في نفق القلق الدائم، بينما يدعوه الإيمان إلى توسيع أفق البصيرة لاستيعاب المساحات الواسعة من الفضل والرحمة.
ثالثاً: وهم الحقيقة (Illusion of Truth Effect) سلطة التكرار وسطوة الشائعة:
من أغرب حيل العقل أنه يميل إلى تصديق المعلومة لمجرد كثرة تكرارها على مسامعه، دون النظر في صحة مصدرها أو منطقية برهانها، يُسمّى هذا في علم النفس بـ "الطلاقة المعرفية"؛ إذ يترجم الدماغ سهولة معالجة المعلومة المكررة على أنها دليلٌ قطعي على صدقها، وقد نزل القرآن الكريم بشديد الزجر ضد هذا السلوك الإدراكي الهش، سيما في حادثة الإفك التي اتكأت على الترداد والشائعة، فقال عز من قائل: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾[النور: 15]، فإن تعبير ﴿تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ يصور بدقة مذهلة نقل المعلومة وتكرارها دون مرورها على مصفاة العقل والتثبت، محذراً من تحول التكرار اللفظي إلى يقينٍ كاذب يفتك بالحقائق.
رابعاً: مغالطة التكلفة الغارقة (Sunk Cost Fallacy) مكابرة الخسارة وأغلال الماضي:
يقع الإنسان كفيلكٍ في مصيدة قرار خاطئ اتخذه في الماضي، فيستمر في إهدار وقته أو ماله أو جهده، لا لشيء إلا لأنه يستخسر ما مضى من عمره أو ماله في ذلك الطريق. إنه النفور الشديد من الاعتراف بالهزيمة، الذي يدفع المرء لزيادة الخسارة بدلاً من قطها، وقد صور القرآن الكريم هذه الحيلة النفسية في مواقف المكابرين الذين أخذتهم العزة بالإثم، ففضلوا الهلاك على الاعتراف ببطلان ما أنفقوا فيه أعمارهم، فيقول عزَّ من قائل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾[البقرة: 170]، وإن الاستمرار في اتباع ما وجدوا عليه آباءهم ليس إلا استسلاماً لتكلفةٍ غارقة، تُغلق أمامهم أبواب التدارك والتحول نحو الحق.
خامساً: تأثير التأطير ((Framing Effect خديعة اللفظ وسحر السياق:
تختلف استجابة الإنسان للمعلومة الواحدة باختلاف الإطار الذي تُوضع فيه؛ فالعبارة ذاتها قد تثير الفزع أو تبعث على الأمان بناءً على صياغتها اللفظية. فالقول بأن "نسبة النجاح 90%" يبعث على الاطمئنان، بينما القول بأن "نسبة الفشل 10%" يثير التوجس، رغم أن الحقيقة الرقمية واحدة، ولقد أشار القرآن الكريم إلى خطورة هذا "التأطير" وكيف استخدمه إبليس لخداع آدم عليه السلام، إذ أطر الشجرة المحرمة في إطار الخلود والمُلك الذي لا يبلى، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾ [طه: 120]، إذ لم يغير إبليس طبيعة الشجرة، لكنه غيّر "الإطار" الإدراكي لها، فنقلها في ذهن الإنسان من دائرة المعصية والنهي إلى دائرة الخلود والملك.
سادساً: وهم الأضواء (Spotlight Effect) مركزية لذات وتضخيم الرقابة:
يقع الفرد تحت وهمٍ دائم بأن جميع من حوله يراقبون تصرفاته، ويرصدون هفواته، وينتبهون لأدق تفاصيل مظهر سلوكه. وهذا الوهم ينشأ من تمركز الذات الإدراكية؛ حيث يفترض الإنسان أنه محور العالم، في حين أن الحقيقة تفيد بأن كل فردٍ مستغرقٌ في دوامة وهمه الخاص، وقد نبه القرآن الكريم إلى تهوين حجم الإنسان في هذا العالم، داعياً إلى التواضع والتخفف من عقدة الرقابة البشرية الوهمية، ومن ذلك قوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾[الإسراء: 37]، فإن إدراك ضآلة الحجم البشري أمام عظمة الكون يحرر النفس من وهم الأضواء، ويصرف خوفها وخجلها من نظرات الخلق إلى الخشية الصادقة من الخالق.
إن العقل البشري، بما يحمله من تحيزات وحيل، لم يُخلق ليكون حاكماً مطلقا بالهوى، بل أُمر بأن يخضع لمنهج التثبت والاستبصار، وإن البصيرة الإيمانية لا تكتفي بكشف هذه التحيزات، بل تضع لها الدواء المباشر في قانونٍ قرآني شامل يضبط حركة المعرفة والإدراك: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾[الإسراء: 36]، بهذا التكليف الإلهي، يتحول العقل من مركبٍ ذليل تقوده الاختصارات الذهنية وخداع النفس، إلى أداة نقديّة رفيعة تُحصّن صاحبها من التضليل، وتضمن له السير في طريق الحق والنور بثبات ويقين.
الدكتور: سعيد مراد الكريطي