لم يعد السؤال في الذكاء الاصطناعي اليوم هو: هل تستطيع الخوارزمية أن تتعلم من البيانات؟ بل أصبح السؤال الأكثر إثارة: هل يمكنها أن تتعلم وهي تعرف مسبقاً أن للعالم قوانين لا يجوز تجاهلها؟
هنا يظهر مفهوم الذكاء الاصطناعي المستنير بالفيزياء (Physics-Informed AI)، وهو اتجاه حديث يسعى إلى الجمع بين قوة التعلم الآلي والمعرفة الفيزيائية التي تصف سلوك الأنظمة الحقيقية.
فبدلاً من تدريب نموذج على آلاف أو ملايين البيانات وتركه يبحث وحده عن العلاقات بينها، يتم إدخال قوانين الفيزياء نفسها ضمن عملية التعلم، مثل قوانين حفظ الكتلة والطاقة والزخم، ومعادلات انتقال الحرارة، وديناميكا الموائع، والكهرومغناطيسية، وغيرها.
وبهذه الطريقة، لا تتعلم الخوارزمية فقط «ما الذي حدث؟»، بل تتعلم أيضاً مراعاة القيود التي تحدد «ما الذي يمكن أن يحدث؟».
من البيانات وحدها إلى البيانات والقوانين
تعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي التقليدية بدرجة كبيرة على البيانات. وكلما كانت البيانات أكثر تنوعاً وجودة، ارتفعت قدرة النموذج على التنبؤ. لكن في المجالات الهندسية والعلمية، لا تكون البيانات دائماً متاحة بكميات ضخمة، فإجراء التجارب قد يكون مكلفاً، وتشغيل المحاكاة العددية عالية الدقة قد يستغرق ساعات أو أياماً أو حتى فترات أطول عند دراسة أنظمة معقدة.
كما أن النموذج القائم على البيانات فقط قد يقدم أحياناً نتيجة تبدو صحيحة إحصائياً، لكنها غير ممكنة فيزيائياً.
وهنا تأتي الفكرة الأساسية للذكاء الاصطناعي المستنير بالفيزياء: لماذا نجعل الخوارزمية تتعلم الفيزياء من الصفر، بينما نعرف نحن جزءاً مهماً منها مسبقاً؟
فعلى سبيل المثال، إذا كان النموذج يتنبأ بتوزيع درجات الحرارة داخل منظومة حرارية، يمكن تدريبه بطريقة تجعله لا يكتفي بمطابقة البيانات التجريبية، بل يحاول أيضاً احترام معادلة انتقال الحرارة والشروط الحدية الخاصة بالمنظومة.
وبذلك تتحول الفيزياء من معلومة خارجية نستخدمها بعد انتهاء التدريب إلى جزء أساسي من آلية التعلم نفسها.
الشبكات العصبية المستنيرة بالفيزياء
من أشهر تطبيقات هذا الاتجاه ما يُعرف باسم الشبكات العصبية المستنيرة بالفيزياء (Physics-Informed Neural Networks – PINNs).
في الشبكات العصبية التقليدية، تُقاس جودة النموذج عادةً بمقدار الفرق بين تنبؤاته والقيم الحقيقية الموجودة في بيانات التدريب. أما في الشبكات المستنيرة بالفيزياء، فتُضاف إلى دالة الخطأ شروط أخرى تمثل مدى التزام النموذج بالمعادلات الفيزيائية.
إذا كان النظام، على سبيل المثال، محكوماً بمعادلة تفاضلية جزئية، فإن النموذج يتعرض لعقوبة رياضية أثناء التدريب عندما تنتج تنبؤاته حلاً لا يحقق تلك المعادلة بصورة مقبولة.
وهذا يعني أن عملية التدريب تصبح مزيجاً من ثلاثة عناصر أساسية: البيانات المتاحة، والقوانين الفيزيائية، والشروط الحدية أو الابتدائية للنظام.
والنتيجة المستهدفة هي نموذج لا يبحث عن أفضل مطابقة رقمية للبيانات فقط، وإنما عن حل يتوافق بدرجة أكبر مع القيود التي تفرضها الفيزياء.
لماذا يحتاج المهندس إلى هذا النوع من الذكاء الاصطناعي؟
تكمن أهمية الذكاء الاصطناعي المستنير بالفيزياء في أنه يفتح مجالاً جديداً بين المحاكاة التقليدية والذكاء الاصطناعي.
في الهندسة، تعتمد الكثير من المسائل على نماذج رياضية معقدة؛ فدراسة حركة الهواء حول جناح طائرة، أو انتقال الحرارة في مبادل حراري، أو انتشار الإجهاد داخل هيكل إنشائي، أو حركة الموائع داخل جهاز طبي، تتطلب عادةً حلولاً عددية مكلفة حسابياً.
ويمكن للذكاء الاصطناعي المستنير بالفيزياء أن يساعد في بناء نماذج بديلة (Surrogate Models) قادرة على تقريب هذه الحلول بسرعة بعد تدريبها والتحقق من دقتها.
وهذا لا يعني بالضرورة الاستغناء عن الطرق العددية التقليدية، مثل طريقة الحجوم المحددة (Finite Volume Method) وطريقة العناصر المحددة (Finite Element Method)، أو أدوات ديناميكا الموائع الحسابية (Computational Fluid Dynamics).
بل يمكن أن تصبح المحاكاة التقليدية مصدراً للبيانات عالية الجودة التي يتعلم منها النموذج الذكي، بينما تساعد القيود الفيزيائية في تحسين اتساق تنبؤاته مع سلوك النظام الحقيقي.
وهكذا يمكن، في بعض التطبيقات، الانتقال من محاكاة تستغرق وقتاً طويلاً لكل حالة جديدة إلى نموذج قادر على إعطاء تقديرات سريعة لمجموعة واسعة من الحالات التشغيلية.
عندما تصبح الفيزياء جزءاً من الذكاء
القيمة الحقيقية لهذا الاتجاه لا تكمن فقط في زيادة سرعة الحسابات، بل في تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى العلاقة بين المعرفة العلمية والذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي القائم على البيانات قد يكتشف علاقات لم يلاحظها الباحث سابقاً، بينما توفر الفيزياء إطاراً يساعد على منع النموذج من إنتاج نتائج تتعارض مع المعرفة العلمية المعروفة.
وهنا تظهر علاقة تكاملية مهمة: البيانات تخبر النموذج بما رأيناه، والفيزياء تخبره بما هو ممكن.
وعندما يجمع النموذج بين الاثنين، تصبح لديه فرصة أكبر للتعامل مع الحالات التي لم يشاهدها أثناء التدريب، خصوصاً إذا كانت القوانين الحاكمة للنظام معروفة بدرجة جيدة وكانت ظروف التطبيق متوافقة مع افتراضات النموذج.
تطبيقات تتجاوز المختبرات
تمتد تطبيقات الذكاء الاصطناعي المستنير بالفيزياء إلى مجموعة واسعة من المجالات الهندسية والعلمية.
ففي ديناميكا الموائع وانتقال الحرارة، يمكن استخدامه لتقدير حقول السرعة والضغط ودرجة الحرارة وتسريع بعض عمليات المحاكاة.
وفي هندسة الطاقة، يمكن تطوير نماذج سريعة للتنبؤ بالأداء الحراري للبطاريات والخلايا الشمسية وأنظمة التخزين الحراري والمبادلات الحرارية.
وفي الهندسة الطبية والحيوية، يمكن أن يساعد في محاكاة تدفق الدم وانتقال الحرارة داخل الأنسجة وتحليل بعض الظواهر المرتبطة بالأجهزة الطبية.
أما في الهندسة المدنية والميكانيكية، فيمكن دمج القوانين التي تحكم التشوه والإجهاد والاهتزاز في نماذج تعلم آلي تساعد على التنبؤ بالسلوك الإنشائي أو مراقبة سلامة المنشآت.
كما يزداد الاهتمام باستخدام هذا الاتجاه في النماذج المناخية والأنظمة الجيوفيزيائية والهندسة الكهروكيميائية والروبوتات والتوأم الرقمي.
التوأم الرقمي يصبح أكثر ذكاءً
أحد المجالات التي قد تستفيد بصورة كبيرة من الذكاء الاصطناعي المستنير بالفيزياء هو التوأم الرقمي (Digital Twin).
فالتوأم الرقمي لا يحتاج فقط إلى نموذج يمثل الجهاز أو النظام الحقيقي، وإنما يحتاج أيضاً إلى القدرة على تحديث حالته بصورة مستمرة اعتماداً على البيانات القادمة من أجهزة الاستشعار.
وهنا يمكن للنموذج المستنير بالفيزياء أن يجمع بين القياسات الحقيقية والقوانين التي تحكم النظام، مما يساعد على بناء نسخة رقمية أكثر قدرة على تقدير الحالة المستقبلية واكتشاف الانحرافات أو المشكلات المحتملة قبل تحولها إلى أعطال فعلية.
وبذلك يمكن أن ينتقل التوأم الرقمي من مجرد نموذج للمراقبة إلى أداة تدعم التنبؤ واتخاذ القرار.
هل يمكن أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الفيزياء؟
الجواب الأقرب إلى الواقع هو: لا.
فقوة الذكاء الاصطناعي المستنير بالفيزياء تأتي تحديداً من حقيقة أنه لا يحاول إلغاء الفيزياء، بل الاستفادة منها.
فالذكاء الاصطناعي قد يكون سريعاً في التنبؤ بعد التدريب، لكنه يحتاج إلى بيانات ومعرفة علمية صحيحة. وفي المقابل، تمنحنا النماذج الفيزيائية تفسيراً للسلوك، لكنها قد تكون مكلفة حسابياً عند التعامل مع أنظمة ضخمة أو عمليات تحسين متكررة.
لذلك فإن المستقبل الأكثر وعداً لا يبدو صراعاً بين الذكاء الاصطناعي والمحاكاة الفيزيائية، وإنما يتجه نحو أنظمة هجينة تجمع بين الاثنين.
لكن الطريق ليس بلا تحديات
على الرغم من الإمكانات الكبيرة، فإن الذكاء الاصطناعي المستنير بالفيزياء ليس حلاً سحرياً لجميع المسائل.
فتدريب الشبكات المستنيرة بالفيزياء قد يصبح صعباً عند وجود معادلات شديدة اللاخطية، أو ظواهر متعددة المقاييس، أو حالات اضطرابية معقدة.
كما أن تحقيق التوازن بين جزء الخطأ المرتبط بالبيانات والجزء المرتبط بالمعادلات الفيزيائية يمثل تحدياً مهماً في بعض التطبيقات.
إضافة إلى ذلك، إذا كانت الفيزياء المستخدمة داخل النموذج ناقصة أو مبسطة أكثر من اللازم، فقد تنتقل هذه القيود إلى تنبؤات الذكاء الاصطناعي نفسه.
لذلك فإن بناء نموذج جيد يتطلب فهماً مزدوجاً: فهماً للذكاء الاصطناعي، وفهماً عميقاً للمنظومة الفيزيائية محل الدراسة.
من الذكاء الاصطناعي الأسود إلى الذكاء العلمي
لعل أكثر ما يميز هذا الاتجاه أنه يسعى إلى تغيير صورة الذكاء الاصطناعي من «صندوق أسود» يبحث عن علاقات إحصائية، إلى أداة علمية تعمل ضمن منظومة من القوانين والمعرفة المسبقة.
وقد لا يكون الهدف النهائي أن نصنع خوارزمية «تفهم» الفيزياء بالطريقة التي يفهمها الإنسان، وإنما أن نصنع نماذج يكون تعلمها متوافقاً بدرجة أكبر مع القوانين التي نعرف أن الطبيعة تتبعها.
وهذا التحول قد يكون أساسياً في الجيل القادم من الهندسة الرقمية.
فبدلاً من أن يختار الباحث بين المعادلات أو البيانات، يمكنه أن يستخدم الاثنين معاً.
وبدلاً من أن تكون الفيزياء والذكاء الاصطناعي عالمين منفصلين، يصبحان جزءاً من منظومة واحدة هدفها فهم الواقع والتنبؤ به بصورة أسرع وأكثر موثوقية.
الخاتمة
يمثل الذكاء الاصطناعي المستنير بالفيزياء خطوة مهمة نحو تطوير نماذج هندسية وعلمية تجمع بين القدرة الحسابية للتعلم الآلي والأسس الراسخة للقوانين الفيزيائية.
فهو لا يستبدل المعرفة العلمية، بل يوظفها لتوجيه عملية التعلم وتحسين قدرة النماذج على تقديم نتائج أكثر اتساقاً مع الواقع.
وفي هذه النقطة تحديداً تكمن الفكرة الأجمل في الذكاء الاصطناعي المستنير بالفيزياء:
الخوارزمية لا تتعلم من البيانات فقط، بل تتعلم داخل عالم تحكمه قوانين الفيزياء.
جامعة المستقبل
الجامعة الاولى في العراق