الملخص
تتناول هذه المقالة ظاهرة التشتت الانتباهي لدى طلبة مرحلة البكالوريوس، وتستعرض الأدبيات النفسية والتربوية التي تفسّر أسبابها وآثارها في التحصيل الدراسي والصحة النفسية، ثم تقترح إطارًا متدرجًا للانتقال من التشتت إلى التركيز يقوم على أربعة مستويات: فردي، وسلوكي–تقني، ومعرفي، وتعليمي–مؤسسي. وتعتمد المقالة منهج المراجعة التحليلية للأدبيات. وتخلص إلى أن التشتت لا يعود إلى ضعف الإرادة وحدها، بل إلى تفاعل بين بيئة رقمية مصمَّمة لجذب الانتباه، وضعف مهارات التنظيم الذاتي، وبنية أكاديمية قد لا تدعم الانخراط العميق. وتوصي بدمج تدريب الانتباه والتنظيم الذاتي ضمن الخبرة الجامعية، وبتصميم بيئات تعلّم تقلّل مصادر المقاطعة.
الكلمات المفتاحية: التشتت الانتباهي؛ التركيز؛ طلبة البكالوريوس؛ التنظيم الذاتي؛ تعدد المهام الرقمي؛ التعلّم العميق.
أولًا: المقدمة
تقوم الحياة الجامعية على أنشطة تتطلب انتباهًا متواصلًا، كقراءة النصوص المعقدة، وكتابة التقارير، وحل المسائل، وحضور المحاضرات الطويلة. غير أن طالب البكالوريوس اليوم يدرس في بيئة تتزاحم فيها الإشعارات والتطبيقات ومنصات التواصل، حتى أصبح الانتباه، لا المعلومة، هو المورد الأندر في العملية التعليمية. ومن ثَمّ لم يعد التشتت مسألة هامشية تتعلق بعادات فردية، بل غدا قضية تربوية ونفسية تمس جودة التعلّم ومخرجاته.
تنطلق هذه المقالة من مشكلة مفادها أن كثيرًا من الطلبة يدركون أثر التشتت في أدائهم، لكنهم يجدون صعوبة في تغيير أنماطهم، لأن أسبابه متعددة المستويات. وتسعى المقالة إلى الإجابة عن ثلاثة أسئلة: ما أبرز مصادر التشتت لدى طلبة البكالوريوس؟ وما آثاره في التعلّم والصحة النفسية؟ وما المسارات المدعومة بالأدلة للانتقال من التشتت إلى التركيز؟ وتعتمد المقالة منهج المراجعة التحليلية للأدبيات، ولا تقدّم بيانات ميدانية جديدة.
ثانيًا: الإطار المفاهيمي
يُقصد بالتشتت الانتباهي انصراف الانتباه عن المهمة الأساسية نحو منبّهات خارجية، كالإشعارات والأحاديث الجانبية، أو داخلية، كالأفكار الطارئة وشرود الذهن. أما التركيز فهو الانتباه الانتقائي المستمر نحو معلومات أو أهداف محددة مع كفّ المنافسات غير ذات الصلة. ولا ينبغي فهم التركيز بوصفه سمة ثابتة، بل مهارة قابلة للتنمية تتأثر بالدافعية والبيئة والعادات.
وتساعد ثلاثة أطر نظرية على تفسير هذا الانتقال. فنظرية التدفق (Csikszentmihalyi, 1990) ترى أن الانغماس العميق يتحقق حين يتوازن مستوى التحدي مع مستوى المهارة وتكون الأهداف واضحة. ونموذج التعلّم المنظَّم ذاتيًا (Zimmerman, 2002) يؤكد أن المتعلم الفعّال يخطط لسلوكه ويراقبه ويقيّمه. وتفترض نظرية تقرير المصير (Deci & Ryan, 2000) أن الدافعية الذاتية، القائمة على الاستقلالية والكفاءة والانتماء، تدعم الانخراط المستدام أكثر من الضغوط الخارجية.
ثالثًا: مصادر التشتت لدى طلبة البكالوريوس
3.1 المصادر الرقمية
تشير الدراسات إلى أن الهواتف الذكية والحواسيب المحمولة من أبرز مصادر المقاطعة داخل القاعة وخارجها. فقد وجد Junco (2012) أن تعدد المهام الرقمي أثناء الدراسة والمحاضرة يرتبط سلبًا بالمعدل التراكمي. وبيّن Sana وزملاؤه (2013) أن استخدام الحاسوب لأغراض غير أكاديمية يضعف تعلّم المستخدم نفسه، ويضعف كذلك تعلّم الزملاء الجالسين قربه. كما وجد Ophir وزملاؤه (2009) أن كثيفي تعدد الوسائط الإعلامية أكثر تأثرًا بالمنبّهات غير ذات الصلة. وفي سياق العمل المقاطَع، أظهر Mark وزملاؤه (2008) أن الأفراد يعوّضون المقاطعة بالإسراع في الإنجاز، لكن بكلفة أعلى من التوتر والإحباط. وتضيف دراسة Ward وزملائه (2017) أن مجرد وجود الهاتف في مجال الرؤية قد يقلل السعة المعرفية المتاحة، مع التنبيه إلى أن هذا الأثر لم يتكرر بالقدر نفسه في كل المحاولات اللاحقة.
3.2 المصادر الداخلية والنفسية
لا يقتصر التشتت على المنبّهات الخارجية؛ فشرود الذهن والقلق والتفكير المفرط تستنزف الانتباه من الداخل. وقد أظهر Mrazek وزملاؤه (2013) أن التدريب القصير على اليقظة الذهنية حسّن السعة العاملة وأداء الاختبار المعياري وقلّل شرود الذهن، مما يشير إلى أن جزءًا من التشتت قابل للتعديل بالتدريب. كما أن ضعف الدافعية الداخلية، وغياب الصلة بين المقرر وأهداف الطالب، يجعلان الانتباه أكثر هشاشة.
3.3 المصادر البيئية والأكاديمية
تسهم عوامل البيئة، كالضوضاء وازدحام السكن الجامعي، وعوامل البنية الأكاديمية، كتراكم التكاليف وطول المحاضرات والاعتماد على التلقين، في إضعاف القدرة على الانخراط العميق. وغالبًا ما تتفاعل هذه المصادر مع المصادر الرقمية والنفسية، فتتكوّن حلقة يغذّي بعضها بعضًا.
رابعًا: آثار التشتت
تتوزع آثار التشتت على الجوانب الأكاديمية والمعرفية والنفسية. فعلى المستوى الأكاديمي ترتبط المقاطعة المتكررة بتراجع التحصيل (Junco, 2012). وعلى المستوى المعرفي يؤدي الانتقال المتكرر بين المهام إلى ما سمّته Leroy (2009) «البقايا الانتباهية»، إذ يبقى جزء من الانتباه مرتبطًا بالمهمة السابقة فيضعف الأداء في المهمة الحالية. وعلى المستوى النفسي ترتبط المقاطعة بارتفاع التوتر والإحباط (Mark et al., 2008). ويفضي ذلك مجتمعًا إلى تعلّم سطحي، وإلى إطالة زمن الدراسة دون عائد يتناسب معه.
خامسًا: من التشتت إلى التركيز، إطار مقترح
تقترح هذه المقالة إطارًا من أربعة مستويات متكاملة يلخصها الجدول (1). والفكرة المحورية أن التركيز نتاج تصميم للبيئة والعادات، لا نتاج الإرادة وحدها.
الجدول (1): مستويات الانتقال من التشتت إلى التركيز
المستوى
الممارسة
الآلية
أهم المصادر
الفردي
تحديد الأهداف، وصياغة النوايا التنفيذية، والمراقبة الذاتية
يقلل الاعتماد على الإرادة اللحظية ويزيد الوعي بالمشتتات
Gollwitzer (1999); Zimmerman (2002)
السلوكي–التقني
إيقاف الإشعارات، وإبعاد الهاتف، وتخصيص كتل زمنية للعمل العميق
يخفض المقاطعات ويحمي الانتباه المتواصل
Mark et al. (2008); Newport (2016); Ward et al. (2017)
المعرفي
تدريب اليقظة الذهنية، واستراتيجيات التعلّم النشط
يقلل شرود الذهن ويشغل الانتباه بمهمة معرفية نشطة
Mrazek et al. (2013); Dunlosky et al. (2013)
التعليمي–المؤسسي
أنشطة تعلّم نشط، وقواعد لاستخدام الأجهزة، وفضاءات هادئة، ودعم نفسي
يعدّل البيئة ويعزز الدافعية الذاتية
Sana et al. (2013); Deci & Ryan (2000)
وعلى المستوى العملي يمكن تطبيق الإطار على أربع مراحل متتالية:
المرحلة الأولى: الوعي والمراقبة الذاتية. يبدأ الطالب برصد مواضع تشتته ومحفزاتها خلال أسبوع، لأن المراقبة الذاتية أساس التعلّم المنظَّم ذاتيًا (Zimmerman, 2002).
المرحلة الثانية: تصميم البيئة. إيقاف الإشعارات، وإبعاد الهاتف عن مجال النظر، وتخصيص مكان ثابت للدراسة، وهي إجراءات تقلل الحاجة إلى مقاومة المغريات لحظة بلحظة.
المرحلة الثالثة: بناء العادة. تحديد كتل زمنية للعمل العميق (Newport, 2016)، وصياغة نوايا تنفيذية على صيغة «إذا حدث كذا فسأفعل كذا» (Gollwitzer, 1999)، واعتماد استراتيجيات تعلّم نشط كالاسترجاع وتوزيع المراجعة زمنيًا (Dunlosky et al., 2013).
المرحلة الرابعة: الاستدامة. ربط المهام الدراسية بأهداف ذات معنى شخصي لتعزيز الدافعية الذاتية (Deci & Ryan, 2000)، وإدخال تمارين قصيرة لليقظة الذهنية (Mrazek et al., 2013)، مع مراجعة دورية للتقدم.
سادسًا: دور الأستاذ والمؤسسة الجامعية
لا يصح تحميل الطالب وحده عبء التغيير. فالأستاذ يستطيع الحد من التشتت بتقسيم المحاضرة إلى فقرات قصيرة تتخللها أنشطة تفاعلية، ووضع قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة تراعي أن أثر الحاسوب يمتد إلى الزملاء المجاورين (Sana et al., 2013). وتستطيع المؤسسة توفير فضاءات دراسة هادئة، وإدماج مهارات الانتباه والتنظيم الذاتي في مقررات السنة الأولى وبرامج الإرشاد الأكاديمي، وإتاحة خدمات الدعم النفسي التي تعالج القلق وضغوط الدراسة بوصفها مصادر للتشتت.
سابعًا: حدود المراجعة وآفاق البحث
تعتمد كثير من الدراسات المشار إليها على بيانات ارتباطية أو على التقرير الذاتي، مما يحدّ من الاستدلال السببي، وقد أُجري معظمها في سياقات غربية. ولذلك يُوصى بإجراء دراسات ميدانية في الجامعات العربية تقيس أنماط التشتت الرقمي والبيئي، وتختبر فاعلية برامج تدريب الانتباه والتنظيم الذاتي باستخدام تصاميم تجريبية أو شبه تجريبية.
ثامنًا: الخاتمة
خلصت المقالة إلى أن تشتت طلبة البكالوريوس ظاهرة متعددة الأسباب، تتفاعل فيها المغريات الرقمية والعوامل النفسية والبنية الأكاديمية، وأن الانتقال إلى التركيز ممكن عبر مسارات فردية وسلوكية ومعرفية ومؤسسية متكاملة. ومن أهم التوصيات: دمج تدريب الانتباه في الخبرة الجامعية، وتصميم بيئات تعلّم تقلل المقاطعات، وتمكين الطلبة من استراتيجيات التعلّم النشط والتنظيم الذاتي، وإجراء بحوث محلية تقيّم فاعلية هذه التدخلات.
جامعة المستقبل
الجامعة الاولى في العراق