# **المقدمة**
يُعد سرطان الثدي من أكثر الأورام الخبيثة شيوعًا لدى النساء على مستوى العالم، ويحتل علم الأمراض النسيجي (Histopathology) موقعًا محوريًا في تشخيصه وتحديد نوعه ودرجته وتوجيه خطة العلاج. يعتمد التشخيص النهائي على فحص العينات النسيجية المأخوذة بالخزعة أو الاستئصال الجراحي تحت المجهر الضوئي بعد صبغها بصبغة الهيماتوكسيلين والإيوسين (H&E)، إضافة إلى استخدام تقنيات الكيمياء المناعية النسيجية (Immunohistochemistry) لتحديد المستقبلات الهرمونية والجزيئية ذات الأهمية العلاجية والتنبؤية.
يتناول هذا المقال الخصائص النسيجية المرضية للنوع الأكثر شيوعًا من سرطان الثدي الغازي، وهو السرطان القنوي الغازي (Invasive Ductal Carcinoma - IDC)، مع مقارنته بالنسيج الطبيعي، واستعراض نظام الدرجات النسيجية والدور التشخيصي للكيمياء المناعية النسيجية.
# **ثانيًا: التصنيف النسيجي لسرطان الثدي**
يصنف سرطان الثدي وفق تصنيف منظمة الصحة العالمية (WHO Classification of Tumours of the Breast) إلى عدة أنواع نسيجية رئيسية، أبرزها:
● السرطان القنوي الغازي غير النوعي (Invasive Ductal Carcinoma, No Special Type - NST): يمثل النسبة الأكبر من الحالات (نحو 70-80٪).
● السرطان الفصيصي الغازي (Invasive Lobular Carcinoma): يتميز بخلايا منفردة تتسلل بنمط خطي داخل النسيج الضام.
● الأنواع النادرة: كالسرطان النخاعي، والسرطان الأنبوبي، والسرطان المخاطي، والسرطان الحليمي الغازي.
يعتمد تمييز هذه الأنواع بشكل أساسي على النمط المعماري للخلايا الورمية، وشكل النواة، ومدى تكوّن البنى الغدية، إلى جانب سلوكها الغازي تجاه النسيج المحيط.
# **ثالثًا: الخصائص النسيجية المرضية للسرطان القنوي الغازي**
عند الفحص المجهري، يتميز النسيج الطبيعي للثدي (الصورة 1) بانتظام بنية القنوات والفصيصات، حيث تحافظ الخلايا الظهارية والعضلية الظهارية على ترتيبها الطبقي المزدوج ضمن غشاء قاعدي سليم دون أي اختراق للنسيج الضام المحيط.
في المقابل، يُظهر السرطان القنوي الغازي (الصورة 2) مجموعة من السمات النسيجية المميزة، من أبرزها:
● فقدان البنية الغدية الطبيعية وتشكّل أعشاش وحبال خلوية غير منتظمة الشكل والحجم.
● اختراق الخلايا الورمية للغشاء القاعدي وتوغلها داخل النسيج الضام الداعم (الستروما).
● تعدد الأشكال النووي (Nuclear Pleomorphism) مع تفاوت واضح في حجم وشكل الأنوية وفرط في صبغتها (Hyperchromasia).
● زيادة النشاط الانقسامي للخلايا (ارتفاع عدد الانقسامات الفتيلية - Mitotic Figures).
● حدوث تفاعل ليفي سدوي مرافق (Desmoplastic Stromal Reaction) نتيجة استجابة النسيج الضام لغزو الخلايا الورمية.
قد تظهر أيضًا مناطق من التموت (Necrosis)، وتسلل خلايا التهابية، وغزو للأوعية اللمفاوية أو الدموية (Lymphovascular Invasion)، وهي عوامل تحمل دلالة تنبؤية مهمة.
# **رابعًا: نظام الدرجة النسيجية (Nottingham Grading System)**
يُستخدم نظام نوتنغهام المعدّل (Elston-Ellis Modification of Scarff-Bloom-Richardson Grading System) لتحديد درجة تمايز الورم، ويعتمد على تقييم ثلاثة معايير رئيسية، يُعطى كل منها درجة من 1 إلى 3:
● درجة تكوّن البنى الغدية أو الأنبوبية (Tubule Formation).
● درجة تعدد الأشكال النووي (Nuclear Pleomorphism).
● عدد الانقسامات الفتيلية لكل وحدة مساحة مجهرية (Mitotic Count).
يتم جمع الدرجات الثلاث (من 3 إلى 9) لتصنيف الورم إلى: الدرجة الأولى (متمايز جيدًا، 3-5)، الدرجة الثانية (متمايز بدرجة متوسطة، 6-7)، أو الدرجة الثالثة (ضعيف التمايز، 8-9)، حيث ترتبط الدرجات الأعلى بسلوك بيولوجي أكثر عدوانية وإنذار أقل مواتاة.
# **خامسًا: دور الكيمياء المناعية النسيجية (Immunohistochemistry)**
لا يقتصر التقييم النسيجي المرضي الحديث لسرطان الثدي على الفحص المجهري التقليدي، بل يتكامل معه تحليل الكيمياء المناعية النسيجية لتحديد الملف الجزيئي للورم، وذلك من خلال تقييم:
● مستقبلات هرمون الإستروجين (ER) والبروجستيرون (PR).
● مستقبل عامل النمو البشري الثاني (HER2/neu).
● مؤشر التكاثر الخلوي Ki-67.
يُعد تحديد حالة HER2 من أهم المؤشرات التنبؤية والعلاجية، إذ تشير الإيجابية القوية (Score 3+) إلى استفادة الورم من العلاجات الموجهة الحيوية مثل الترستوزوماب (Trastuzumab)، بينما تحتاج النتائج المتوسطة (Score 2+) إلى تأكيد إضافي عبر تقنية التهجين الموضعي المفلور (FISH).
# **سادسًا: الأهمية التشخيصية والتنبؤية**
يوفر التقييم النسيجي المرضي الشامل - الجامع بين الفحص المجهري التقليدي والكيمياء المناعية النسيجية - معلومات أساسية لاتخاذ القرار العلاجي، إذ يساعد في:
● تحديد النوع الفرعي الجزيئي للورم (Luminal A، Luminal B، HER2-enriched، Triple-negative).
● تقدير مدى عدوانية الورم واحتمالية انتشاره الموضعي أو البعيد.
● اختيار البروتوكول العلاجي الأنسب، سواء الهرموني أو الكيميائي أو الموجّه بيولوجيًا.
● متابعة الاستجابة للعلاج وتقييم هامش الاستئصال الجراحي.
# **سابعًا: الخاتمة**
يظل الفحص النسيجي المرضي حجر الأساس في تشخيص سرطان الثدي، حيث يتيح التمييز الدقيق بين النسيج الطبيعي والأنسجة الورمية، وتصنيف النوع النسيجي وتحديد درجة التمايز، بينما تُكمل الكيمياء المناعية النسيجية هذه الصورة من خلال تحديد الملامح الجزيئية للورم. ويُسهم هذا التكامل التشخيصي في تخصيص العلاج بما يتناسب مع خصائص كل حالة على حدة، بما ينعكس إيجابًا على دقة الإنذار وفعالية العلاج.
# **المصادر والمراجع**
1\. WHO Classification of Tumours Editorial Board. Breast Tumours. WHO Classification of Tumours, 5th Edition, Volume 2. Lyon: International Agency for Research on Cancer (IARC); 2019.
2\. Elston CW, Ellis IO. Pathological prognostic factors in breast cancer: I. The value of histological grade in breast cancer: experience from a large study with long-term follow-up. Histopathology. 1991;19(5):403-410.
3\. Wolff AC, Hammond MEH, Allison KH, et al. Human Epidermal Growth Factor Receptor 2 Testing in Breast Cancer: ASCO/CAP Clinical Practice Guideline Focused Update. Journal of Clinical Oncology. 2018;36(20):2105-2122.
4\. Kumar V, Abbas AK, Aster JC. Robbins & Cotran Pathologic Basis of Disease. 10th Edition. Philadelphia: Elsevier; 2021. Chapter on the Breast.
5\. Rosen PP. Rosen's Breast Pathology. 4th Edition. Philadelphia: Wolters Kluwer; 2014.