يُعد الامتزاز من أكثر تقنيات معالجة المياه انتشارًا لبساطته وسهولة تشغيله ومرونته في إزالة أنواع متعددة من الملوثات، ويكتسب الكربون المنشّط التجاري موقع الصدارة بين المواد المازة. غير أن ارتفاع كلفة إنتاجه، وكونه يُصنَّع في الغالب من مصادر أحفورية كالفحم الحجري، دفع الباحثين إلى البحث عن بدائل أرخص وأكثر استدامة.
تبرز المخلفات الزراعية خيارًا جذابًا لعدة أسباب: فهي وفيرة ومتجددة وقليلة الكلفة أو مجانية، وتتكون أساسًا من السليلوز والهيميسليلوز واللجنين، وهي بوليمرات تحمل مجموعات وظيفية (هيدروكسيل وكربوكسيل وفينولية) قادرة على الارتباط بالملوثات. كما أن استثمارها يحل مشكلتين في آن واحد: التخلص من المخلفات ومعالجة المياه، وهذا ينسجم مع مبادئ الاقتصاد الدائري.
وفي البلدان التي تتوافر فيها زراعة النخيل مثل العراق، تمثل نوى التمور وسعف النخيل والالياف و مواد خام محلية ذات اهتمام خاص، إلى جانب قش القمح والشعير وقشور الأرز.
تُنتج الأنشطة الزراعية كميات هائلة من المخلفات الحيوية، كقش الحبوب وقشور الأرز و قصب السكر ونوى التمور وقشور الحمضيات، ويُحرق معظمها أو يُترك ليتحلل دون استثمار. وفي المقابل تعاني المسطحات المائية من تلوث متزايد بالمعادن الثقيلة والأصباغ والمبيدات والمستحضرات الصيدلانية. تتناول هذه المقالة إمكانية تحويل المخلفات الزراعية إلى مواد مازة منخفضة الكلفة لمعالجة مياه الصرف، وتستعرض أنواع المواد الخام وطرق التحضير والتنشيط، وآليات الامتزاز، والنماذج الحركية والتوازنية المستخدمة في وصفه، والعوامل المؤثرة في الكفاءة، ثم تناقش التحديات التي تعيق الانتقال إلى التطبيق الفعلي، ومنها تباين المواد الخام وإعادة التوليد والتخلص من المادة المستنفدة، وتختتم باتجاهات البحث المستقبلية.
يمكن تصنيف المواد الخام الزراعية المستخدمة في تحضير المازات على النحو الآتي:
• المخلفات الليفية الخشبية: قش القمح والأرز، وعرانيس الذرة، وثفل قصب السكر، وسعف النخيل.
• القشور والأغلفة الصلبة: قشور الأرز، وقشور جوز الهند واللوز والفستق، ونوى الزيتون والتمر.
• القشور الطرية: قشور البرتقال والليمون والموز والرمان، وهي غنية بالبكتين والمجموعات الكربوكسيلية.
ويختلف تركيب كل مادة، فالمخلفات الغنية باللجنين تعطي عادة فحمًا أكثر ثباتًا، بينما تحتوي قشور الأرز على نسبة عالية من السليكا، وهذا يؤثر في بنية المسام وسلوك الامتزاز.
تُعد المخلفات الزراعية مصدرًا واعدًا لمواد مازة منخفضة الكلفة ومتجددة، يمكنها الإسهام في معالجة مياه الصرف وتقليل عبء المخلفات الزراعية في آن واحد. وتشير النتائج المخبرية إلى قدرات جيدة على إزالة المعادن الثقيلة والأصباغ وبعض الملوثات الناشئة، لكن الانتقال إلى التطبيق يستلزم التحقق في مياه حقيقية وبأنظمة مستمرة، ومعالجة مسألة التخلص من المادة المستنفدة، وإثبات الاستدامة بتقييم دورة الحياة بدل افتراضها من مجرد أصل المادة الخام. ومن المرجح أن تأتي أفضل التطبيقات من ملائمة المادة الخام المحلية مع الملوث المستهدف ضمن حل متكامل.