م.م حنين فاضل
تُعد السلامة المهنية في مواقع البناء والإنشاءات الكبرى أحد أهم المؤشرات الدالة على كفاءة إدارة المشروع ونجاحه. لم يعد مفهوم السلامة مجرد امتثال للوائح القانونية أو وسيلة لتجنب الغرامات المالية، بل تحول إلى ثقافة مؤسسية وهدف استراتيجي طموح يُعرف بـ رؤية صفر حوادث.
إن تحقيق هذا الهدف في المشاريع العملاقة — حيث تتداخل الآليات الثقيلة، والارتفاعات العالية، والعمالة المتنوعة — يتطلب الانتقال من التعامل السلبي بعد وقوع الحدث إلى التخطيط والوقاية الاستباقية.
أركان استراتيجية "صفر حوادث"
تعتمد رؤية "صفر حوادث" على أربعة محاور رئيسية تتكامل فيما بينها لضمان بيئة عمل آمنة:
القيادة والتزام الإدارة العليا: السلامة تبدأ من القمة؛ إذ يجب أن يظهر التزام الإدارة بالسلامة في القرارات المالية والتشغيلية وليس في الشعارات فقط. يتضمن ذلك منح أي عامل في الموقع صلاحية إيقاف العمل فوراً إذا شعر بوجود خطر مباشر، وذلك دون خوف من العقاب أو المساءلة.
التخطيط الاستباقي وإدارة المخاطر: يتطلب ذلك إعداد تقييم شامل للمخاطر قبل بدء أي مرحلة تشغيلية، وتطبيق تحليلات سلامة المهام اليومية واستخراج تصاريح العمل المخصصة للمهام ذات الخطورة العالية، مثل العمل على ارتفاعات شاهقة، أو الحفريات العميقة، أو داخل الأماكن المغلقة.
التمكين والتثقيف المستمر: ينبغي تقديم تدريبات مكثفة لكل عامل عند انضمامه للموقع، إلى جانب عقد اجتماعات السلامة اليومية القصيرة لمناقشة المخاطر المحتملة للأنشطة المحددة لكل يوم وكيفية تجنبها.
تطبيق التكنولوجيا الحديثة: يساهم الاعتماد على معدات الحماية الذكية المزودة بحساسات לרصد السقوط أو الغازات السامة، بالإضافة إلى استخدام الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي، في المراقبة اللحظية لبيئة العمل واكتشاف المخالفات قبل وقوع الحوادث.
الخطوات العملية للوصول إلى موقع خالي من الحوادث
تتوزع الإجراءات العملية للسلامة على كافة مراحل المشروع لضمان أعلى مستويات الوقاية:
في مرحلة التخطيط والتصميم، يتم الدمج بين متطلبات السلامة والتصاميم الهندسية لتقليل المخاطر الهيكلية قبل بدء التنفيذ. وعند الانتقال إلى مرحلة الإعداد، يُجرى فحص شامل للمعدات والآليات والتحقق من مؤهلات العمالة قبل دخولهم للموقع لضمان كفاءة التشغيل وتجنب الأعطال الفجائية.
أما أثناء التنفيذ اليومي، فيتم تطبيق نظام دقيق للإبلاغ عن الحوادث الوشيكة، مما يسمح بمعالجة الأسباب الجذرية للأخطاء الصغيرة قبل أن تتحول إلى كوارث حقيقية. أخيراً، وفي مرحلة التقييم المستمر، يتم إجراء تدقيق دائم ومكافأة السلوكيات الآمنة لتعزيز ثقافة المسؤولية المشتركة.
تحويل السلامة من قواعد مجردة إلى ثقافة يومية
الفرق بين الموقع التقليدي والموقع الذي يحقق هدف "صفر حوادث" يكمن في السلوك البشري. يتطلب بناء ثقافة السلامة السلوكية التركيز على ثلاثة عناصر أساسية:
الأول هو التقدير والمكافأة من خلال التكريم الدوري للعمال والمشرفين الملتزمين بالمعايير. والثاني هو الشفافية في الإبلاغ عبر تشجيع العاملين على الإفصاح عن الأخطاء والعيوب دون خوف، والتعامل مع الحوادث الوشيكة كفرص للتعلم والتحسين بدلاً من البحث عن مقصرين للومهم. أما العنصر الثالث فهو التواصل الفعال عبر توفير التعليمات والإرشادات بلغات متعددة تناسب الخلفيات المختلفة للعمالة في المشاريع الكبرى.
إن الوصول إلى "صفر حوادث" ليس مجرد رقم مستهدف، بل هو قيمة إنسانية واقتصادية تُحافظ على أرواح العاملين، وتمنع الهدر المالي الناجم عن التعطل والإصابات، وتضمن تسليم المشاريع الكبرى في أوقاتها المحددة وبأعلى معايير الجودة.