إن العسر الفكري يتبعه العسر القرائي والعكس بالعكس فلا نجدُّ عالمًا مفكرًا قد وقف قلمهُ عن الكتابة ألا وكان سببهُ عدم القراءة فالقراءة المستمرة الدائمة تجعل العقل ولاد في الفكر الجديد فيلاحظ من خلال نقطة صغيرة في الاختصاص أو غيره تجعل المجهر الفكري للباحث يدور حولها ويكتشف سرها كذلك البحث في الالفاظ بين الغريب والحديث بين المعروف والمجهول فلربما نعرف المجهول مِن خلال المعروف والعكس بالعكس وهذا يدل بقرارة الحكم ان القراءة هي الأَساس في التطور والتصور الفياض لرسم معالم الفكرة الناضجة؛ لذا قال الوحي عليه السلام للنّبي محمّد صل الله عليه وعلى آله وسلم ...اقراء.
فبدأت الرسالة المحمدية بالقراءة ثم التعلم وطرح الأفكار والنّظريّات وهذا ما تحمل جزءه الأكبر الائمَّة عليهم السَّلام.
إن المتأمل في سيرة العلماء يجد أنهم قدموا النماذج العليا في استثمار النصوص المعرفية؛ حيثُ تحولت القراءة في ممارستهم العلميّة إلى تفكيك للمفاهيم، واستنباط للنظريّات، ورسم للمناهج، ومن هنا يتضح أن العسر القرائي ليس مجرد انقطاع عن المطالعة، بل هو تعطيل لمشروع الفكر، ومقدمة جليّة للركود الحضاري؛ فالأُمّة الَّتي لا تقرأ، تفقد قدرتها على التجديد، وتبات عاجزة عن توليد الأفكار الَّتي تواكب متطلبات كلّ عصر، ولكي يستعيد الباحث والفكِرُ عافيته المعرفية، يتوجب عليه العودة إلى هذا المنهج القائم على أصالة القراءة وسعة الأفق، فيقرأ النصوص بروح المكتشف، ويتحرى الدقة في الألفاظ، ويربط بين المجهول والمعروف، ليصوغ من خلال ذلك تصورًا فياضًا يخدم مجتمعه وأمته، فالقراءة هي النور الَّذي تبدد بهِ ظلمات الجهل، وهي الركيزة الأولى الَّتي يُبنى عليها كلّ بناء علمي وثقافي شامخ.