• الرئيسية
  • الأخبار
  • المعرض
  • المكتبة
  • النشاطات
    • النشاطات
    • المقالات
    • الجوائز
    • براءات الاختراع
    • الورش
    • المؤتمرات
    • الاعلانات
  • الأحداث القادمة
  • الكادر
  • البرنامج الأكاديمي
  • الطلبة
    • بوابة الطالب
    • بوابة الخريجين
    • الطلبة الأوائل
    • قصص نجاح الخريجين
  • مشاريع التخرج
  • المحاضرات
  • تواصل معنا
  • English
default image default image default image default image
default image
default image
default image
default image

ضوابط التمييز بين المنكر الواجب انكاره والشأن الخاص المحمي

18/04/2026
  مشاركة :          
  918

إنّ الاشتغال على تفكيك العلاقة بين الرقابة القيمية والمجال الفردي يضعنا أمام واحدة من أدق القضايا في فلسفة التشريع واللسانيات الاجتماعية، حيث يبرز التساؤل الجوهري حول التخوم الفاصلة بين "المنكر" بوصفه خروجاً على النظم الأخلاقية العامة، وبين "الشأن الخاص" بوصفه حَرماً مَصوناً لا تطاله يد التغيير. إنّ الناقد البصير يدرك أن اللغة الشرعية حين صاغت مفهوم "المنكر" جعلته مرتبطاً بالظهور والعلن، فكلمة "منكر" في دلالتها الاشتقاقية توحي بما يُستنكر ظهوره في الفضاء المشترك، مما يجعل "العلانية" شرطاً انطولوجياً لاستحقاق الإنكار. وفي مقابل ذلك، نجد أن الشأن الخاص محميٌّ بسياج من النصوص التي تُحرم "التجسس" و"تتبع العورات"، وهو ما يؤسس لنظرية "الحق في الخصوصية" التي تسبق القوانين الحديثة بقرون. إنّ ضابط التمييز الجوهري هنا يكمن في "تعدي الأثر"؛ فالممارسة الفردية ما لم تتجاوز عتبة الذات إلى فضاء الآخرين تظل حبيسة الشأن الخاص الذي لا يجوز اقتحامه بدعوى الإصلاح، لأنّ انتهاك خصوصية الفرد هو في ذاته "منكر" قد يفوق في قبحه المعصية المستورة. من هنا، يبرز دور المقاربة النقدية في كشف اللبس الذي يقع فيه بعض المندفعين الذين يخلطون بين "الواجب الأخلاقي" وبين "الوصاية التسلطية"، متناسين أن الحكمة من الأمر بالمعروف هي صيانة الصالح العام لا هتك الستر الفردي. إنّ الضابط الثاني يتجسد في "البيّنة الظاهرة"؛ فالإنكار لا يقوم على الظن أو التخمين أو استراق السمع، بل هو استجابة لفعلٍ شاخصٍ يخدش حياء المجتمع وقيمه المتفق عليها. وهنا يظهر الفارق اللساني بين "النصيحة" التي تليق بالشأن المستور، وبين "الإنكار" الذي يواجه المنكر المعلن؛ فالأولى فعلُ مودةٍ وبناءٍ ذاتي، والثاني فعلُ حمايةٍ وإصلاحٍ جمعي. إنّ الخلط بين هذين المسارين يؤدي إلى تآكل الثقة الاجتماعية ويحول المجتمع إلى ساحة للمراقبة المتبادلة التي تخنق الحرية الفردية وتجفف منابع الصدق الأخلاقي. إنّ حماية الشأن الخاص ليست مجرد رخصة للفرد، بل هي "واجب شرعي" على الجماعة، إذ إنّ استقرار المجتمعات يقوم على التوازن الدقيق بين صيانة القيم العامة وبين احترام قدسية الحياة الخاصة، بحيث يغدو المنكر الواجب إنكاره هو ذلك الفعل الذي يهدد السلم الأخلاقي أو يتعدى ضرره إلى الغير، بينما يظل ما دون ذلك رهين المحاسبة الذاتية والستر الإلهي. إنّ هذا التمييز لا يحمي الفرد فحسب، بل يحمي شعيرة "الأمر بالمعروف" ذاتها من أن تتحول إلى أداة للتنمر الاجتماعي أو تصفية الحسابات الشخصية، مما يعيد للقيم هيبتها الجمالية والروحية بعيداً عن صخب الوصاية وغوغائية التدخل فيما لا يعني. إنّ الفلسفة النقدية ترى أن احترام "الخصوصية" هو أعلى درجات "المعروف"، وأن التغاضي عن الهفوات المستورة هو شيمة النبلاء التي تكرس فضيلة الستر كقيمة عليا تسبق في رتبتها رغبة التغيير القسري، وبذلك يتحقق الوئام بين واجب الإصلاح وحق الكرامة الإنسانية. إنّ سبر أغوار هذه الجدلية يقتضي منا الانتقال من خانة "التوصيف الإجرائي" إلى رحاب "الفلسفة الحقوقية" التي تنظم العلاقة بين الفرد والمجال العام، حيث يتجلى التمييز بين المنكر الواجب إنكاره والشأن الخاص بوصفه صراعاً بين قيمتين كليتين: قيمة "الإصلاح الاجتماعي" وقيمة "الكرامة الفردية". بصفتي ناقداً يقرأ النصوص في سياقاتها المقاصدية، أرى أن الضابط الأهم في هذا الفصل هو مفهوم "المجال الحيوي للفعل"؛ فالفعل الإنساني لا يكتسب صفة "المنكر" التي تستوجب التدخل الخارجي إلا إذا غادر شرنقة الذات وأصبح "خطاباً" موجهاً للآخر أو مؤثراً في حيزه. إن اللغة الشرعية عندما استعملت مفردة "المنكر" -كما أسلفنا- ربطتها بـ "المعروف"، والمعروف هو ما تعارف عليه العقل والشرع في الفضاء العمومي؛ لذا فإن محاولة سحب هذا المفهوم على ما يقع خلف الأبواب المغلقة هو اعتداء لغوي وتشريعي يفرغ قيمة "الستر" من محتواها الأنطولوجي. إنّ الاستزادة في هذا الطرح تدفعنا لمناقشة فكرة "المنكر الذرائعي"؛ إذ يميل البعض إلى التوسع في الإنكار ليمتد إلى الخصوصيات بحجة "سد الذرائع"، وهنا يأتي دور النقد ليوضح أن الشأن الخاص محميٌّ بـ "أصل البراءة" وبالحرمة المطلقة للبيوت والسرائر، وهي حرمة لا تسقط بالاحتمالات أو التخمينات. إنّ التفريق بين ما هو "خطيئة" (بين العبد وخالقه) وبين ما هو "منكر اجتماعي" (فعل يتعدى ضرره) هو جوهر التمدن الأخلاقي. فالخطيئة المستورة تعالج بالتربية والوعظ الفردي والنصيحة الخافتة التي تشبه الهسهسة في الأذن، أما المنكر المعلن فهو الذي يستفز ضمير الجماعة ويستدعي الموقف الحازم. إن التجاوز على الشأن الخاص باسم الغيرة على الدين هو في حقيقته وقوع في منكر "البغي" و"التجسس"، وكأننا نصلح خللاً صغيراً بهدم ركن حصين من أركان السلم النفسي والمجتمعي. علاوة على ذلك، فإن الضابط القيمي يستوجب مراعاة "مآلات الإنكار"؛ فإذا كان تغيير ما يُظن أنه منكر في الشأن الخاص سيؤدي إلى مفسدة أعظم -كإشاعة الفاحشة بذكرها، أو كسر هيبة البيوت، أو زرع الشقاق بين الأسر- فإن الإنكار هنا يتجرد من مشروعيته ويصبح نوعاً من العبث الأخلاقي. إن الناقد الأدبي واللغوي يرى في "الستر" بلاغةً عالية، وفي "التغافل" حكمةً بالغة؛ فالمجتمع الذي لا يتغافل عن خصوصيات أفراده هو مجتمع "زجاجي" هش، يفتقر إلى العمق الروحي ويقتات على المظاهر. إنّ الحدود الفاصلة ليست مجرد خطوط وهمية، بل هي "مواثيق وجودية" تضمن للفرد مساحة من الحرية ليمارس فيها بشريته، ويخطئ ويصيب بعيداً عن أعين الرقابة الجماعية التي قد تكون أحياناً أقسى من النص نفسه. إن ترسيخ ضابط "الأثر المتعدي" و"الظهور العلني" كمعايير حاسمة للإنكار، هو الذي يعيد لشعيرة الأمر بالمعروف توازنها، ويخرجها من سياق "الوصاية" إلى سياق "الحماية"، محولاً إياها من أداة لاقتحام الخصوصيات إلى سياج يحمي القيم العامة دون أن يحطم الروح الفردية أو ينتهك قدسية الستر التي جعلها الخالق صفة من صفاته العلى. ومن هنا، يغدو احترام "الشأن الخاص" هو الاختبار الحقيقي لنضج الوعي الأخلاقي، حيث تكون القوة في "الإمساك" عن التدخل أبلغ أثراً في الإصلاح من الاندفاع نحو الإنكار الذي يفتقر إلى ضوابط التمييز والحكمة. بقلم إنّ الاشتغال على تفكيك العلاقة بين الرقابة القيمية والمجال الفردي يضعنا أمام واحدة من أدق القضايا في فلسفة التشريع واللسانيات الاجتماعية، حيث يبرز التساؤل الجوهري حول التخوم الفاصلة بين "المنكر" بوصفه خروجاً على النظم الأخلاقية العامة، وبين "الشأن الخاص" بوصفه حَرماً مَصوناً لا تطاله يد التغيير. إنّ الناقد البصير يدرك أن اللغة الشرعية حين صاغت مفهوم "المنكر" جعلته مرتبطاً بالظهور والعلن، فكلمة "منكر" في دلالتها الاشتقاقية توحي بما يُستنكر ظهوره في الفضاء المشترك، مما يجعل "العلانية" شرطاً انطولوجياً لاستحقاق الإنكار. وفي مقابل ذلك، نجد أن الشأن الخاص محميٌّ بسياج من النصوص التي تُحرم "التجسس" و"تتبع العورات"، وهو ما يؤسس لنظرية "الحق في الخصوصية" التي تسبق القوانين الحديثة بقرون. إنّ ضابط التمييز الجوهري هنا يكمن في "تعدي الأثر"؛ فالممارسة الفردية ما لم تتجاوز عتبة الذات إلى فضاء الآخرين تظل حبيسة الشأن الخاص الذي لا يجوز اقتحامه بدعوى الإصلاح، لأنّ انتهاك خصوصية الفرد هو في ذاته "منكر" قد يفوق في قبحه المعصية المستورة. من هنا، يبرز دور المقاربة النقدية في كشف اللبس الذي يقع فيه بعض المندفعين الذين يخلطون بين "الواجب الأخلاقي" وبين "الوصاية التسلطية"، متناسين أن الحكمة من الأمر بالمعروف هي صيانة الصالح العام لا هتك الستر الفردي. إنّ الضابط الثاني يتجسد في "البيّنة الظاهرة"؛ فالإنكار لا يقوم على الظن أو التخمين أو استراق السمع، بل هو استجابة لفعلٍ شاخصٍ يخدش حياء المجتمع وقيمه المتفق عليها. وهنا يظهر الفارق اللساني بين "النصيحة" التي تليق بالشأن المستور، وبين "الإنكار" الذي يواجه المنكر المعلن؛ فالأولى فعلُ مودةٍ وبناءٍ ذاتي، والثاني فعلُ حمايةٍ وإصلاحٍ جمعي. إنّ الخلط بين هذين المسارين يؤدي إلى تآكل الثقة الاجتماعية ويحول المجتمع إلى ساحة للمراقبة المتبادلة التي تخنق الحرية الفردية وتجفف منابع الصدق الأخلاقي. إنّ حماية الشأن الخاص ليست مجرد رخصة للفرد، بل هي "واجب شرعي" على الجماعة، إذ إنّ استقرار المجتمعات يقوم على التوازن الدقيق بين صيانة القيم العامة وبين احترام قدسية الحياة الخاصة، بحيث يغدو المنكر الواجب إنكاره هو ذلك الفعل الذي يهدد السلم الأخلاقي أو يتعدى ضرره إلى الغير، بينما يظل ما دون ذلك رهين المحاسبة الذاتية والستر الإلهي. إنّ هذا التمييز لا يحمي الفرد فحسب، بل يحمي شعيرة "الأمر بالمعروف" ذاتها من أن تتحول إلى أداة للتنمر الاجتماعي أو تصفية الحسابات الشخصية، مما يعيد للقيم هيبتها الجمالية والروحية بعيداً عن صخب الوصاية وغوغائية التدخل فيما لا يعني. إنّ الفلسفة النقدية ترى أن احترام "الخصوصية" هو أعلى درجات "المعروف"، وأن التغاضي عن الهفوات المستورة هو شيمة النبلاء التي تكرس فضيلة الستر كقيمة عليا تسبق في رتبتها رغبة التغيير القسري، وبذلك يتحقق الوئام بين واجب الإصلاح وحق الكرامة الإنسانية. إنّ سبر أغوار هذه الجدلية يقتضي منا الانتقال من خانة "التوصيف الإجرائي" إلى رحاب "الفلسفة الحقوقية" التي تنظم العلاقة بين الفرد والمجال العام، حيث يتجلى التمييز بين المنكر الواجب إنكاره والشأن الخاص بوصفه صراعاً بين قيمتين كليتين: قيمة "الإصلاح الاجتماعي" وقيمة "الكرامة الفردية". بصفتي ناقداً يقرأ النصوص في سياقاتها المقاصدية، أرى أن الضابط الأهم في هذا الفصل هو مفهوم "المجال الحيوي للفعل"؛ فالفعل الإنساني لا يكتسب صفة "المنكر" التي تستوجب التدخل الخارجي إلا إذا غادر شرنقة الذات وأصبح "خطاباً" موجهاً للآخر أو مؤثراً في حيزه. إن اللغة الشرعية عندما استعملت مفردة "المنكر" -كما أسلفنا- ربطتها بـ "المعروف"، والمعروف هو ما تعارف عليه العقل والشرع في الفضاء العمومي؛ لذا فإن محاولة سحب هذا المفهوم على ما يقع خلف الأبواب المغلقة هو اعتداء لغوي وتشريعي يفرغ قيمة "الستر" من محتواها الأنطولوجي. إنّ الاستزادة في هذا الطرح تدفعنا لمناقشة فكرة "المنكر الذرائعي"؛ إذ يميل البعض إلى التوسع في الإنكار ليمتد إلى الخصوصيات بحجة "سد الذرائع"، وهنا يأتي دور النقد ليوضح أن الشأن الخاص محميٌّ بـ "أصل البراءة" وبالحرمة المطلقة للبيوت والسرائر، وهي حرمة لا تسقط بالاحتمالات أو التخمينات. إنّ التفريق بين ما هو "خطيئة" (بين العبد وخالقه) وبين ما هو "منكر اجتماعي" (فعل يتعدى ضرره) هو جوهر التمدن الأخلاقي. فالخطيئة المستورة تعالج بالتربية والوعظ الفردي والنصيحة الخافتة التي تشبه الهسهسة في الأذن، أما المنكر المعلن فهو الذي يستفز ضمير الجماعة ويستدعي الموقف الحازم. إن التجاوز على الشأن الخاص باسم الغيرة على الدين هو في حقيقته وقوع في منكر "البغي" و"التجسس"، وكأننا نصلح خللاً صغيراً بهدم ركن حصين من أركان السلم النفسي والمجتمعي. علاوة على ذلك، فإن الضابط القيمي يستوجب مراعاة "مآلات الإنكار"؛ فإذا كان تغيير ما يُظن أنه منكر في الشأن الخاص سيؤدي إلى مفسدة أعظم -كإشاعة الفاحشة بذكرها، أو كسر هيبة البيوت، أو زرع الشقاق بين الأسر- فإن الإنكار هنا يتجرد من مشروعيته ويصبح نوعاً من العبث الأخلاقي. إن الناقد الأدبي واللغوي يرى في "الستر" بلاغةً عالية، وفي "التغافل" حكمةً بالغة؛ فالمجتمع الذي لا يتغافل عن خصوصيات أفراده هو مجتمع "زجاجي" هش، يفتقر إلى العمق الروحي ويقتات على المظاهر. إنّ الحدود الفاصلة ليست مجرد خطوط وهمية، بل هي "مواثيق وجودية" تضمن للفرد مساحة من الحرية ليمارس فيها بشريته، ويخطئ ويصيب بعيداً عن أعين الرقابة الجماعية التي قد تكون أحياناً أقسى من النص نفسه. إن ترسيخ ضابط "الأثر المتعدي" و"الظهور العلني" كمعايير حاسمة للإنكار، هو الذي يعيد لشعيرة الأمر بالمعروف توازنها، ويخرجها من سياق "الوصاية" إلى سياق "الحماية"، محولاً إياها من أداة لاقتحام الخصوصيات إلى سياج يحمي القيم العامة دون أن يحطم الروح الفردية أو ينتهك قدسية الستر التي جعلها الخالق صفة من صفاته العلى. ومن هنا، يغدو احترام "الشأن الخاص" هو الاختبار الحقيقي لنضج الوعي الأخلاقي، حيث تكون القوة في "الإمساك" عن التدخل أبلغ أثراً في الإصلاح من الاندفاع نحو الإنكار الذي يفتقر إلى ضوابط التمييز والحكمة.بقلم إنّ الاشتغال على تفكيك العلاقة بين الرقابة القيمية والمجال الفردي يضعنا أمام واحدة من أدق القضايا في فلسفة التشريع واللسانيات الاجتماعية، حيث يبرز التساؤل الجوهري حول التخوم الفاصلة بين "المنكر" بوصفه خروجاً على النظم الأخلاقية العامة، وبين "الشأن الخاص" بوصفه حَرماً مَصوناً لا تطاله يد التغيير. إنّ الناقد البصير يدرك أن اللغة الشرعية حين صاغت مفهوم "المنكر" جعلته مرتبطاً بالظهور والعلن، فكلمة "منكر" في دلالتها الاشتقاقية توحي بما يُستنكر ظهوره في الفضاء المشترك، مما يجعل "العلانية" شرطاً انطولوجياً لاستحقاق الإنكار. وفي مقابل ذلك، نجد أن الشأن الخاص محميٌّ بسياج من النصوص التي تُحرم "التجسس" و"تتبع العورات"، وهو ما يؤسس لنظرية "الحق في الخصوصية" التي تسبق القوانين الحديثة بقرون. إنّ ضابط التمييز الجوهري هنا يكمن في "تعدي الأثر"؛ فالممارسة الفردية ما لم تتجاوز عتبة الذات إلى فضاء الآخرين تظل حبيسة الشأن الخاص الذي لا يجوز اقتحامه بدعوى الإصلاح، لأنّ انتهاك خصوصية الفرد هو في ذاته "منكر" قد يفوق في قبحه المعصية المستورة. من هنا، يبرز دور المقاربة النقدية في كشف اللبس الذي يقع فيه بعض المندفعين الذين يخلطون بين "الواجب الأخلاقي" وبين "الوصاية التسلطية"، متناسين أن الحكمة من الأمر بالمعروف هي صيانة الصالح العام لا هتك الستر الفردي. إنّ الضابط الثاني يتجسد في "البيّنة الظاهرة"؛ فالإنكار لا يقوم على الظن أو التخمين أو استراق السمع، بل هو استجابة لفعلٍ شاخصٍ يخدش حياء المجتمع وقيمه المتفق عليها. وهنا يظهر الفارق اللساني بين "النصيحة" التي تليق بالشأن المستور، وبين "الإنكار" الذي يواجه المنكر المعلن؛ فالأولى فعلُ مودةٍ وبناءٍ ذاتي، والثاني فعلُ حمايةٍ وإصلاحٍ جمعي. إنّ الخلط بين هذين المسارين يؤدي إلى تآكل الثقة الاجتماعية ويحول المجتمع إلى ساحة للمراقبة المتبادلة التي تخنق الحرية الفردية وتجفف منابع الصدق الأخلاقي. إنّ حماية الشأن الخاص ليست مجرد رخصة للفرد، بل هي "واجب شرعي" على الجماعة، إذ إنّ استقرار المجتمعات يقوم على التوازن الدقيق بين صيانة القيم العامة وبين احترام قدسية الحياة الخاصة، بحيث يغدو المنكر الواجب إنكاره هو ذلك الفعل الذي يهدد السلم الأخلاقي أو يتعدى ضرره إلى الغير، بينما يظل ما دون ذلك رهين المحاسبة الذاتية والستر الإلهي. إنّ هذا التمييز لا يحمي الفرد فحسب، بل يحمي شعيرة "الأمر بالمعروف" ذاتها من أن تتحول إلى أداة للتنمر الاجتماعي أو تصفية الحسابات الشخصية، مما يعيد للقيم هيبتها الجمالية والروحية بعيداً عن صخب الوصاية وغوغائية التدخل فيما لا يعني. إنّ الفلسفة النقدية ترى أن احترام "الخصوصية" هو أعلى درجات "المعروف"، وأن التغاضي عن الهفوات المستورة هو شيمة النبلاء التي تكرس فضيلة الستر كقيمة عليا تسبق في رتبتها رغبة التغيير القسري، وبذلك يتحقق الوئام بين واجب الإصلاح وحق الكرامة الإنسانية. إنّ سبر أغوار هذه الجدلية يقتضي منا الانتقال من خانة "التوصيف الإجرائي" إلى رحاب "الفلسفة الحقوقية" التي تنظم العلاقة بين الفرد والمجال العام، حيث يتجلى التمييز بين المنكر الواجب إنكاره والشأن الخاص بوصفه صراعاً بين قيمتين كليتين: قيمة "الإصلاح الاجتماعي" وقيمة "الكرامة الفردية". بصفتي ناقداً يقرأ النصوص في سياقاتها المقاصدية، أرى أن الضابط الأهم في هذا الفصل هو مفهوم "المجال الحيوي للفعل"؛ فالفعل الإنساني لا يكتسب صفة "المنكر" التي تستوجب التدخل الخارجي إلا إذا غادر شرنقة الذات وأصبح "خطاباً" موجهاً للآخر أو مؤثراً في حيزه. إن اللغة الشرعية عندما استعملت مفردة "المنكر" -كما أسلفنا- ربطتها بـ "المعروف"، والمعروف هو ما تعارف عليه العقل والشرع في الفضاء العمومي؛ لذا فإن محاولة سحب هذا المفهوم على ما يقع خلف الأبواب المغلقة هو اعتداء لغوي وتشريعي يفرغ قيمة "الستر" من محتواها الأنطولوجي. إنّ الاستزادة في هذا الطرح تدفعنا لمناقشة فكرة "المنكر الذرائعي"؛ إذ يميل البعض إلى التوسع في الإنكار ليمتد إلى الخصوصيات بحجة "سد الذرائع"، وهنا يأتي دور النقد ليوضح أن الشأن الخاص محميٌّ بـ "أصل البراءة" وبالحرمة المطلقة للبيوت والسرائر، وهي حرمة لا تسقط بالاحتمالات أو التخمينات. إنّ التفريق بين ما هو "خطيئة" (بين العبد وخالقه) وبين ما هو "منكر اجتماعي" (فعل يتعدى ضرره) هو جوهر التمدن الأخلاقي. فالخطيئة المستورة تعالج بالتربية والوعظ الفردي والنصيحة الخافتة التي تشبه الهسهسة في الأذن، أما المنكر المعلن فهو الذي يستفز ضمير الجماعة ويستدعي الموقف الحازم. إن التجاوز على الشأن الخاص باسم الغيرة على الدين هو في حقيقته وقوع في منكر "البغي" و"التجسس"، وكأننا نصلح خللاً صغيراً بهدم ركن حصين من أركان السلم النفسي والمجتمعي. علاوة على ذلك، فإن الضابط القيمي يستوجب مراعاة "مآلات الإنكار"؛ فإذا كان تغيير ما يُظن أنه منكر في الشأن الخاص سيؤدي إلى مفسدة أعظم -كإشاعة الفاحشة بذكرها، أو كسر هيبة البيوت، أو زرع الشقاق بين الأسر- فإن الإنكار هنا يتجرد من مشروعيته ويصبح نوعاً من العبث الأخلاقي. إن الناقد الأدبي واللغوي يرى في "الستر" بلاغةً عالية، وفي "التغافل" حكمةً بالغة؛ فالمجتمع الذي لا يتغافل عن خصوصيات أفراده هو مجتمع "زجاجي" هش، يفتقر إلى العمق الروحي ويقتات على المظاهر. إنّ الحدود الفاصلة ليست مجرد خطوط وهمية، بل هي "مواثيق وجودية" تضمن للفرد مساحة من الحرية ليمارس فيها بشريته، ويخطئ ويصيب بعيداً عن أعين الرقابة الجماعية التي قد تكون أحياناً أقسى من النص نفسه. إن ترسيخ ضابط "الأثر المتعدي" و"الظهور العلني" كمعايير حاسمة للإنكار، هو الذي يعيد لشعيرة الأمر بالمعروف توازنها، ويخرجها من سياق "الوصاية" إلى سياق "الحماية"، محولاً إياها من أداة لاقتحام الخصوصيات إلى سياج يحمي القيم العامة دون أن يحطم الروح الفردية أو ينتهك قدسية الستر التي جعلها الخالق صفة من صفاته العلى. ومن هنا، يغدو احترام "الشأن الخاص" هو الاختبار الحقيقي لنضج الوعي الأخلاقي، حيث تكون القوة في "الإمساك" عن التدخل أبلغ أثراً في الإصلاح من الاندفاع نحو الإنكار الذي يفتقر إلى ضوابط التمييز والحكمةبقلم أ .م.دهاشم صيهود محمد

جامعة المستقبل

مؤسسة تعليمية تابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي في العراق

روابط مهمة

وزارة التعليم العالي

اللجنة التوجيهية

المدراء

الأكاديميون

الكادر التدريسي

الطلبة

أنظمة الدراسات

عملية التقييم

الهيكل التنظيمي

القواعد واللوائح

معلومات الخريجين

المواقع البحثية

Scopus

Research Gate

Google Scholar

ORCID

Web Of Science

مركز المساعدة

حول الجامعة

الكليات والأقسام

البوبات الألكترونية

دليل الجامعة

تواصل معنا

جامعة المستقبل - جميع الحقوق محفوظة ©2025

  • إعدادات إمكانية الوصول