اعداد م.م سجى زهير حامد
يبدأ معك علي باليقين الواضح بعد الشك، والثبات بعد التردد، ليخبرنا "ما شككت في الحق من أريته" و "مَن وَثِقَ بِمَاءٍ لَمْ يَظْما" ففي أزمنة تشظي الأهواء، وضياع الانسان منا في زحمة المشارب والاتجاهات.. يرجعك علي الى اليقين بالحق، الذي يراه كما نرى الماء، ومن وثق بماء لم يظمأ ، دون من وثق بالسراب الذي يحسبه الظمان مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَه لم يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهُ عِندَهُ فَوَفاهُ حسابه"
لا يمكن بأي حال من الأحوال ادراك مرتبة اليقين عند علي، فقد قال لنا مرة "بل اندمجت على مكنون علم لو بحث به لأضطربْتُمُ اضْطِرَابَ الْأَرْشِيَّةِ فِي الطَّوَي البعيدة" ويعني بذلك: لو اخبرتكم بما أعلم، لارتجفتم ارتجاف الحبال في البئر العميق، فاليقين عند علي في مرتبته العليا "لو كشف الغِطَاءُ مَا ارْدَدْتُ يَقِينا"
في المعرفة يقدم على معرفة الإنسان لنفسه قبل أن يعرف غيره عجبت لمن يُنشِدُ صَالتَهُ وَقَدْ اضل نفسه فلا يطلبها " اذ قد يضيع الانسان عمره في معرفة ما يحيط به، من الناس الى العلوم الى مختلف مفاصل الحياة، لكنه يغفل عن البداية المهمة: معرفة الانسان لنفسه.. يمضي دون أن يسأل نفسه من أنا؟ ثم يجيب الجواب الذي سيكون المنطلق الاساس المعرفة أي شيء آخر، ففي قول علي "من عرف نفسه فهو لغيره أعرف"
يأخذك علي بعد المعرفة الى ان يكون تقييمك لنفسك نابع من بصيرتك الداخلية، تنظر بها من الداخل الى الخارج، وليس العكس.. لأنه "ليس بعاقل من انزعج من قول الزور فيه، ولا بحكيم مَن رَضِي بثناء الجاهل عليه " فأنت . من يعرف من هو أنت.. لا الآخرين، ولا احكامهم المخادعة في المدح أو الذم التي تدفعك في عالم من الأوهام الخاضعة للأهواء، فيتحول عقلك من أمير الى اسير و "كُمْ مِنْ عَقْلِ أَسِيرِ تَحْتَ هوى أمير"
فاذا رجع الانسان الى بصيرته الداخلية وأمسك زمام نفسه، وصار عقله القائد، يرسم له هنا أمير المؤمنين خارطة أخلاقية متكاملة في بضع كلمات تحدث فيها عن أخ له في الله .. "كان لي فيما مضي أخ في الله، وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، وكان خارجا من سلطانِ بَطْنِهِ فَلا يَشْتَهِي مَا لَا يَجِدُ وَلَا يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ، وَكَان أكثرَ دَهْرَةٍ صَامِنَا فَإِن قَالَ بَدْ القائلين ونقع غليل السائلين، وكان ضعيفا . مُسْتَضْعَفا... فَإِنْ جَاءَ الجِد فَهُوَ لِيْتُ غَابِ وَصِلَّ واد.. لا يدلي بحجة حتى يأتي قاضيا، وكان لا يلومُ أَحَدًا عَلَى مَا يَجِدُ العذرَ فِي مِثْلِهِ حَتَّى يسمع اعتذاره، وكان لا يشكو وجعا إلا عند برْئِهِ، وَكان يقول ما يفعل ولا يقول ما لا يفعل وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت، وكان على ما يسمع أحرص منه على أن يتكلم"
من العلاقة مع النفس، الى العلاقة مع الآخر، في الحب الصادق، وفي الاخوة الصادقة والصداقة الحقيقية، يعلمك على "إنما يحبك من لا يتملقك ويثني عليك من لا يسمعك" أي ان المحب الحقيقي لك لا الذي يتملق بوجهك ولا الذي يثني عليك بحضورك، انما الذي يفعل ذلك في غيبتك.. ثنائه لك بظهرك أكثر منه في وجهك، فاذا وجدت من اخوان الصدق هؤلاء فاستزد منهم فان إخوان الثقة عند علي هم "الكف والجناح والأهل والمال فإِذا كنتِ مِنْ أَخِيكَ عَلَى حَدِ الثَّقَةِ فَابْذل له مالك وبدنك وصَافِ مِنْ صَافاه وعَادِ مِنْ عَادَاهِ وَاكْتُمْ سِرَّهِ وعَيْبَه وأظهر مِنْهُ الحَسَنَ وَاعْلَمْ أَيُّهَا السَّائِلِ أنهم أقل من الكبريت الأحمر.."
ولأن اخوان الثقة أندر من الكبريت فلابد من الحفاظ عليهم باقالة عثراتهم، والصفح عن زلاتهم، بالاحسان والاحسان وحده.. لا الاساءة "عاتب أخاك بالإِحْسَانِ إِلَيْهِ"
في حياة علي الفصل بالحق والعدل بين الناس أساس لا غنى عنه، وارجاع الحقوق المواضعها و لو وجدته قد تزوج به النساء... فإن في العَدْلِ سَعَةَ. وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ العَدْل، فالجَوْرُ عَلَيْهِ أَضِيق"
ويراهنك على ان حق غيرك في يدك، لابد له أن يستعر فيك يوما ليأكلك ويأكل حياتك وسعادتك واطمئنانك.. كي لا تتغول حقوق الآخرين بالباطل، ولا تغصبها منهم ورهانه معك هو "الحجر الغصيب في الدارِ رَهْنَ عَلَى خَرَابِهَا " شيد حياتك على الغصب.. وانتظرها لتتهدم على رأسك..
ومن أخطاء الانسان الفردية ينتقل الى الأخطاء التي تتحول الى ظواهر اجتماعية فحين تسود الأخطاء، ويبدأ المجتمع الانساني بالتظافر على الخطأ والتعاون عليه، ورفده واعلاء رايته.. فأن الاخطاء هنا لابد لها ان تهتك حرمة هذا المجتمع، وتبدأ بهدمه وتحطيمه واحراقه.. حتى يصبح عاليه سافله، وتنحط قيمه، ليعاني من هذه النتائج الفادحة المجتمع بأكمله "ألا وإن الخطايا خيل شِمْسٍ حَمِل عَلَيْهَا أهلها، وَخَلِعَتْ لجُمُهَا، فتقحمت بهم في النار" يقول لك علي ان الأخطاء خيول قوية ومسرعة بلا لجام ليتمكن الناس من التحكم بها .. يركبها أهلها فتذهب بهم الى الجحيم.. يا لدقة الوصف، وعظيم البلاغة.
في الهدى..
يُعرف أهل التصوف والعرفان علي بن أبي طالب على أنه "بحر الطرائق" اذ إليه تنتهي طرائقهم، ومنه تنحدر سيولهم، وعنه تتوزع مناهلهم ، وهو صلتهم بالانسان الكامل الذي به عماد العالم محمد رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وطريقهم إليه، وباب مدينة علمه الالهي "أنا مدينة العلم وعلي بابها " وفي رسول الله وأوصيائه يكتب محي الدين بن عربي في الفتوحات المكية، في بابه السادس والستون والثلاثمائة: ان الامام الى الوزير فقير.. وعليهما فلك الوجود يدور!
فعند علي مطلب الفلسفة الالهية، والمسالك العرفانية، وهو الواصف لنا في هذا الطريق ما لم يصفه من هو دونه "أول الدِّينِ معرفته و کمال معرفته التصديق بهِ، وَ كَمَالَ التصديق به توحيده توحيده، و كمال تَوْحِيدِهِ الإخلاص له ..."
بعد ان ملك هذا الرجل دنياه، وقبلها ملك آخرته بفيض من رسول الله.. وقف على حافة من الأرض، ونظر لها بما فيها، وطلقها بما لا رجعة له معها يا دنيا ، إليك عني أبي تعرضت أم إلى تشوقت لا حان حينك هيهات غري غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلقتك ثَلَاثًا لَا رَجْعَةً فِيهَا" ليضرب لنا أعظم تجربة في الزهد وتحمل المسؤولية على حد واحد بقوله "لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وَمَا أَخَذِ اللَّهُ عَلَى العُلَمَاءِ إِلَّا يُقَارُوا عَلَى كِظَةِ ظَالِمٍ، وَلَا سَعَبٍ مَظْلُوم لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، وَلَا لِقَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أزهدَ عِندِي مِنْ عَفطة عنز" وبهذا فالزهد لا يعني عدم امتلاك الدنيا، وانما ان لا تملكك الدنيا .. من أولها لعند آخرها ..
علي قائد الركب على الطريق الذي يبدأ ولا ينتهي..
يعرف في لحظات الحقيقة المنفردة ولا يعرف بالقراءة وحدها نور في وحشة الظلم ما ترك له الحق من صديق لكنه صديق سرنا
وبوصلتنا كلما عصفت بنا حوادث الدهور ومهلكات الناس وسود الأيام..