اعداد
أ.د.ساهره قحطان عبد الجبار
جامعة المستقبل / كلية التربية / قسم العلوم التربوية والنفسية
يمر الإنسان في حياته بمحطات كثيرة، بعضها يحمل الفرح والنجاح، وبعضها الاخر يترك اثارا من الالم والندم والحزن، وفي خضم هذه التجارب يبقى الماضي جزءا لا يمكن فصله عن تكوين الشخصية الإنسانية ولكن المشكلة لا تكمن في وجود الماضي بل في طريقة تعاملنا معه. فهناك من يعيش أسيرا لأحداث الأمس، يكرر أخطاءه في ذهنه ويحاسب ذاته باستمرار، بينما يتعلم اخرون فن التصالح مع الماضي ليبدأوا حياة أكثر هدوءا واتزانا.
إن التصالح مع الأمس لا يعني نسيان الأحداث أو تجاهل الألم، بل يعني تقبل ما حدث وفهمه بوصفه جزءا من رحلة الحياة. فالإنسان لا يستطيع تغيير الماضي، لكنه قادر على تغيير نظرته إليه. وعندما يدرك الفرد أن كل تجربة مرّ بها قد أضافت إليه درساً أو خبرة، فإنه يبدأ بالنظر إلى أخطائه بعين الحكمة بدلاً من عين الندم.
ومن أهم خطوات التصالح مع الماضي الاعتراف بالمشاعر وعدم إنكارها. فالكبت المستمر للألم أو الحزن يجعل الإنسان أكثر تعبا وارتباكا. لذلك فإن التعبير عن المشاعر بطريقة صحية، سواء بالكتابة أو الحديث مع شخص موثوق أو حتى التأمل، يساعد على التخفيف من الأعباء النفسية واستعادة السلام الداخلي.
كما أن التسامح يمثل جانبا أساسيا في عملية التصالح. فبعض الناس يبقون عالقين في الماضي بسبب جرح قديم أو خيبة أمل من شخص قريب. والتسامح هنا لا يعني تبرير الخطأ، بل تحرير النفس من ثقل الكراهية والغضب. فالإنسان عندما يسامح، إنما يمنح نفسه فرصة للشفاء النفسي والراحة.
ومن الضروري أيضاً أن يتوقف الإنسان عن مقارنة حاضره بماضيه أو بماضي الآخرين. فالحياة لا تسير وفق مسار واحد، وكل شخص يمتلك ظروفه وتجربته الخاصة. إن التركيز على الحاضر والعمل على تطوير الذات يمنح الإنسان شعوراً بالأمل ويجعله أكثر قدرة على صناعة مستقبل أفضل.
إن فن التصالح مع الأمس هو مهارة نفسية وإنسانية تساعد الفرد على تجاوز الألم والنظر إلى الحياة بروح أكثر نضجاً وإيجابية. فالماضي مهما كان مؤلماً لا يجب أن يتحول إلى سجن دائم، بل يمكن أن يصبح نقطة انطلاق نحو حياة أكثر وعياً وسلاماً. وعندما يتعلم الإنسان كيف يتصالح مع أمسه، فإنه يمنح نفسه فرصة حقيقية للعيش بطمأنينة وثقة وأمل.. فالماضي لا يمحى ولا تعاد كتابته لكنه يفهم ويهضم ويترك في مكانه دون أن يسرق الحاضر .. التصالح يبدأ عندما تقول لنفسك)فعلت ما استطعت بما كان متاحا لي حينها( فلكل تجربة رسالة.. الخيانة علمتك الحذر.. الفشل علمك التواضع.. الخسارة علمتك قيمة ما تملك.. فخذ الرسالة واكتبها في داخلك واحفرها في مشاعرك ثم انزل هذه الحقيبة عن كتفك وودع ذكراك عند الباب وامنح لنفسك السلام فانت تستحقه..