الاعتماد البرامجي: رهان القيادات الجامعية العليا على الجودة
21 تشرين الأول 2026
58 مشاهدة
لم يعد الاعتماد البرامجي إجراءً إدارياً تتولاه شعبة أو لجنة داخل الجامعة، بل أصبح شهادة علنية على قدرتها في الوفاء بوعدها لطلبتها ومجتمعها، ومؤشراً على أن ما تقدمه من مناهج وتدريس ومخرجات تعلم يستوفي معايير مرجعية تضعها جهات متخصصة، كالمجالس الوطنية القطاعية للاعتماد في العراق. غير أن معايير الاعتماد، في جوهرها، ليست مطالب موجهة إلى القسم العلمي وحده، بل إلى المؤسسة بكل مستوياتها، ولهذا فإن مفتاح تحقيقها بيد القيادات العليا قبل غيرها.
فالقسم العلمي يستطيع أن يكتب تقييمه الذاتي ويوثق أدلته، لكنه لا يستطيع وحده أن يرسم السياسات أو يوفر التمويل أو يبني المختبرات. هذه قرارات تصنعها رئاسة الجامعة ومجلسها وعمداء الكليات، وهي التي تحدد في النهاية ما إذا كان البرنامج قادراً على استيفاء المعايير أم لا. ومن هنا يبدأ دور القيادة برسم السياسات والخطط الاستراتيجية التي تجعل الاعتماد هدفاً مؤسسياً معلناً، بأهداف ومواعيد ومسؤوليات واضحة، لا مبادرة فردية تنشط قبيل الزيارة الميدانية وتخبو بعدها.
وتمتد هذه الخطط لتشمل مسارات العمل الجامعي كافة. ففي الجانب الدراسي، تتولى القيادة توجيه مراجعة المناهج دورياً وربطها بمخرجات تعلم تلبي حاجات سوق العمل، وتطوير أساليب التدريس والتقويم. وفي الجانب البحثي والعلمي، ترسم خططاً تربط البحث العلمي بأولويات التخصص والمجتمع، وتدعم النشر الرصين والمؤتمرات والمختبرات البحثية، وهو ما تنظر إليه معايير الاعتماد بوصفه دليلاً على حيوية البرنامج. وفي الجانب الخدمي، تجعل من خدمة المجتمع والتعليم المستمر والاستشارات جزءاً أصيلاً من رسالة القسم، لا نشاطاً هامشياً. أما الخطط التطويرية، فتعنى ببناء قدرات التدريسيين والموظفين عبر التدريب والإيفاد والتطوير المهني المستمر.
ولا تكتمل هذه الخطط من دون بنية تحتية ملائمة، فالقاعات الدراسية والمختبرات والمكتبات والمنصات الإلكترونية ووسائل السلامة من أكثر ما تتوقف عنده لجان التدقيق، وهي كلها رهينة بقرار القيادة في ترتيب الأولويات وتوجيه الموارد. ويرتبط ذلك مباشرة بالتمويل، إذ تحتاج متطلبات الاعتماد إلى موازنات مخصصة للتجهيز والتدريب والعضويات والتقييم الخارجي، وعلى القيادة أن تنظر إليها استثماراً في سمعة الجامعة ومستقبلها لا عبئاً على ميزانيتها. كما تقع على عاتق القيادة جودة الخدمات المقدمة للطلبة، من الإرشاد الأكاديمي والدعم النفسي والاجتماعي إلى متابعة الخريجين وقياس رضا المستفيدين، فهذه الخدمات صارت جزءاً من أي معيار حديث للجودة.
وفي عالم تتنافس فيه الجامعات على الاعتراف والسمعة، تبرز العلاقات الدولية بوصفها بعداً لا غنى عنه؛ فاتفاقيات التعاون، وتبادل الطلبة والتدريسيين، والبرامج المشتركة، والاستعانة بمقيّمين خارجيين، كلها تعزز موقف البرنامج أمام جهات الاعتماد، وتمهد الطريق لاعتمادات دولية لاحقة. ولا تُبنى هذه الشراكات إلا بإرادة قيادية تفتح الأبواب وتوقّع الاتفاقيات وتتابع تنفيذها.
ويبقى أن تؤدي القيادة دور الضامن والمحاسب معاً: أن تمكّن أقسام ضمان الجودة وشعب الاعتماد من صلاحيات حقيقية للمتابعة والتدقيق، وأن تربط تقييم أداء العمداء ورؤساء الأقسام بتقدم برامجهم، وأن تحتفي بالأقسام الناجحة وتساند المتعثرة. فالاعتماد البرامجي في النهاية مرآة تعكس جدية الجامعة في رسالتها، والقيادة العليا هي من يقرر ما ستُظهره هذه المرآة، والجامعات التي ستتصدر المشهد هي تلك التي تدرك قياداتها اليوم أن الجودة لا تُعلن، بل تُصنع بالقرار وتُثبت بالدليل.