يعد القانون في العراق القديم من أبرز الإنجازات الحضارية التي أسهمت في تنظيم حياة الإنسان وبناء المجتمعات المستقرة فقد أدرك العراقيون القدماء منذ نشوء الحضارات في بلاد الرافدين أن استمرار الحياة داخل المدن يحتاج إلى قواعد تنظم العلاقات بين الناس وتحفظ الحقوق وتحدّ من النزاعات. ولم يكن القانون مجرد أوامر وعقوبات بل كان جزءًا من تطور المجتمع العراقي القديم ودليلًا على سعي الإنسان إلى تحقيق النظام والعدالة.
لقد شهدت بلاد الرافدين ظهور حضارات عظيمة مثل الحضارة السومرية والأكدية والبابلية والآشورية وقد تركت هذه الحضارات إرثًا قانونيًا مهمًا يعكس طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في ذلك الزمن. ومع اتساع المدن وازدهار الزراعة والتجارة ظهرت الحاجة إلى قواعد واضحة تنظم الملكية والبيع والشراء والزواج والميراث والديون والعلاقات بين الأفراد.
ومن أهم ما يميز القانون في العراق القديم ظهور مجموعات قانونية مكتوبة، ومن أبرزها قانون أورنمو الذي يعود إلى نحو القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد ويُعدّ من أقدم مجموعات القوانين المكتوبة الباقية، وقد تناول قضايا تتعلق بالاعتداءات والملكية والعلاقات الاجتماعية. ثم جاءت قوانين أخرى مثل قوانين إشنونا وليبيت عشتار وصولًا إلى شريعة حمورابي التي تُعدّ من أشهر التشريعات في تاريخ بلاد الرافدين، إذ تضمنت نحو 282 حكمًا قانونيًا تناولت شؤون الأسرة والتجارة والزراعة والجرائم والعقوبات.فالعدالة في العراق القديم لم تكن قائمة على المساواة الكاملة بين جميع أفراد المجتمع فقد اختلفت العقوبات أحيانًا باختلاف المكانة الاجتماعية للأشخاص كما اختلفت حقوق الأحرار عن حقوق العبيد. ومن هنا نستطيع أن نفهم أن القانون كان يعكس طبيعة المجتمع الذي نشأ فيه بما يحمله من قيم وتقاليد وفوارق اجتماعية.
ومن الجوانب المهمة أيضًا ارتباط القانون بالحكم والدين إذ كان الملوك يقدمون أنفسهم بوصفهم مسؤولين عن إقامة العدل وحماية النظام وكانت النصوص القانونية تربط سلطة الملك بالإرادة الإلهية. وقد ساعد هذا التصور على تعزيز مكانة القانون في المجتمع، وجعل الالتزام به جزءًا من المحافظة على استقرار الدولة.
إن دراسة القانون في العراق القديم تكشف لنا أن الحضارة العراقية لم تقتصر على بناء المدن والمعابد أو التقدم في الزراعة والكتابة بل أسهمت كذلك في تطوير الفكر القانوني وتنظيم العلاقات الإنسانية. وتكتسب هذه القوانين أهمية خاصة لأنها تمثل جزءًا من التراث الحضاري للعراق، وتوضح كيف حاول الإنسان منذ آلاف السنين معالجة النزاعات وحماية المصالح ووضع حدود للسلوك داخل المجتمع.
وفي الختام يمكن القول إن القانون في العراق القديم كان إحدى الركائز الأساسية التي ساعدت على قيام الدولة واستمرار الحياة المنظمة فيها. وفي مقدمتها قوانين أورنمو وشريعة حمورابي أثرًا مهمًا في تاريخ الفكر القانوني الإنساني. وعندما نتأمل هذا الإرث اليوم ندرك أن البحث عن العدالة وتنظيم المجتمع ليس فكرة حديثة بل هو مسعى إنساني قديم شهدت عليه أرض العراق منذ فجر الحضارة.
#جامعة المستقبل -الجامعةالاهلية الاولى في العراق