المقدمة
ترافقنا الذكريات في تفاصيل حياتنا اليومية؛ فمن خلالها نتعرّف إلى الوجوه، ونتعلّم المهارات، ونستعيد أحداث الماضي. لكن الدماغ لا يحتفظ بالتجارب كما تحفظ الكاميرا الصور، بل يحوّلها إلى أنماط من النشاط العصبي وتغيّرات في الروابط بين الخلايا. وتنشأ الذاكرة من عمليات مترابطة تشمل ترميز المعلومات وتثبيتها واسترجاعها، بمشاركة مناطق متعددة من الدماغ. uth.edu
من التجربة إلى الذاكرة
تبدأ عملية تكوّن الذاكرة عندما يستقبل الدماغ المعلومات عبر الحواس ويعالجها. وتُسمّى عملية تحويل هذه المعلومات إلى تمثيلات عصبية قابلة للاحتفاظ بها «الترميز». فعند مقابلة شخص للمرة الأولى، يعالج الدماغ ملامح وجهه وصوته واسمه، وقد يربطها بالمكان والظروف التي حدث فيها اللقاء.
ولا تُحفظ جميع تفاصيل التجربة بالدرجة نفسها؛ فالانتباه إلى المعلومة ومعالجتها بصورة ذات معنى يساعدان على تكوين ذاكرة يمكن استرجاعها لاحقًا. وهكذا، فإن تذكّر تجربة واحدة يتطلب الربط بين عناصر حسية ومعرفية موزّعة على شبكات دماغية متعددة.
الحُصين ودوره في تكوين الذكريات
يؤدي الحُصين، وهو تركيب يقع في عمق الفص الصدغي، دورًا مهمًا في تعلّم المعلومات وتكوين ذكريات الأحداث. ويساعد على الربط بين عناصر التجربة، مثل ما حدث وأين ومتى حدث. ومع ذلك، فإن الذاكرة لا توجد في الحُصين وحده؛ إذ تشارك مناطق قشرية وتحت قشرية مختلفة تبعًا لنوع المعلومات والمهارات المتعلَّمة. National Institutes of Health (NIH)
كما يختلف تذكّر الحقائق والأحداث عن تعلّم المهارات الحركية. فاسترجاع مناسبة عائلية يختلف في متطلباته العصبية عن أداء مهارة اكتسبها الإنسان بالتدريب، مثل ركوب الدراجة، رغم وجود تفاعل بين أنظمة الذاكرة المختلفة.
اللدونة العصبية: الأساس الخلوي للتعلّم
تتواصل الخلايا العصبية عبر نقاط اتصال تُسمّى «المشابك العصبية». ويمكن أن تتغيّر قوة هذه الاتصالات وخصائصها استجابةً للنشاط والخبرة، وهي قدرة تُعرف باللدونة العصبية. وتساعد هذه المرونة الدماغ على تعديل شبكاته مع التعلّم.
ومن الآليات المرتبطة بالتعلّم «التقوية طويلة الأمد»، التي تتمثل في زيادة مستمرة نسبيًا في كفاءة انتقال الإشارات عبر بعض المشابك بعد أنماط معينة من النشاط. لكنها ليست الآلية الوحيدة للذاكرة؛ إذ تشمل عملية التعلّم أيضًا تغيرات بنيوية وكيميائية وتنظيمية داخل الشبكات العصبية. وقد أظهرت دراسة مدعومة من المعاهد الوطنية للصحة عام 2025 إعادة تنظيم للوصلات بين خلايا مرتبطة بأثر ذاكرة في دماغ الفأر، مما يدعم أهمية التغيرات الشبكية في تكوّن الذكريات. nichd.nih.gov
تثبيت الذكريات ودور النوم
بعد ترميز المعلومات، تمر بعض الذكريات بعملية «التثبيت»، التي تساعد على جعلها أكثر استقرارًا بمرور الوقت. ولا يعني ذلك انتقال الذكرى كملف واحد بين منطقتين، بل حدوث تغيرات تدريجية في الروابط والتفاعلات بين الشبكات المشاركة فيها.
ويُعد النوم جزءًا مهمًا من هذه العملية؛ إذ تسهم مرحلتا النوم المصحوب بحركة العين السريعة والنوم غير المصحوب بها في التعلّم وتكوين الذكريات. لذلك، يرتبط فهم الذاكرة بدراسة نشاط الدماغ أثناء النوم، إلى جانب دراسته أثناء اليقظة. nichd.nih.gov
استرجاع الذكريات ولماذا ننسى
يحدث الاسترجاع عندما تساعد إشارة، مثل صورة أو رائحة أو سؤال، على إعادة تنشيط جوانب من تجربة سابقة. وقد يستعيد الإنسان بعض التفاصيل بسهولة بينما يصعب عليه الوصول إلى تفاصيل أخرى. فالذاكرة عملية إعادة بناء، وقد تتأثر بالمعلومات اللاحقة وبالسياق الذي يجري فيه التذكّر.
ولا يعني النسيان دائمًا اختفاء المعلومة نهائيًا؛ فقد ينتج عن ضعف ترميزها أصلًا، أو تداخلها مع معلومات أخرى، أو صعوبة الوصول إليها عند الحاجة. لذلك، فإن دقة الذاكرة تعتمد على كيفية اكتساب المعلومات وتنظيمها واسترجاعها، وليست مجرد قدرة على تخزين أكبر كمية ممكنة منها.
الخاتمة
يصنع الدماغ الذكريات من خلال تفاعل النشاط الكهربائي والإشارات الكيميائية والتغيرات في الروابط العصبية. ويؤدي الحُصين والشبكات الدماغية الأخرى أدوارًا متكاملة في ربط التجارب وتثبيتها واستعادتها. ويكشف هذا التنظيم أن الذاكرة عملية حيوية متجددة، تمنح الإنسان القدرة على التعلّم وبناء المعرفة والاستفادة من خبراته السابقة.
جامعة المستقبل – الجامعة الأولى في العراق