تمثل الفطريات المحللة موردًا حيويًا مهمًا يمكن الاستفادة منه في العديد من التطبيقات البيئية والزراعية، فضلًا عن دورها الطبيعي في تفكيك المخلفات العضوية وإعادة تدوير العناصر الغذائية. وقد أسهمت قدرتها على إنتاج إنزيمات متنوعة في الاهتمام باستخدام أنواع مختارة منها في معالجة المخلفات وتحسين خصائص التربة ودعم بعض تقنيات المعالجة الحيوية.
تضم البيئة أنواعًا فطرية متعددة تشارك في تحلل المواد العضوية، من بينها أنواع من الرشاشيات (Aspergillus) والبنسيليوم (Penicillium) والترايكوديرما (Trichoderma)، إضافة إلى الفطريات المتخصصة في تحليل الخشب. وتختلف هذه الأنواع في قدراتها الإنزيمية والمواد التي تستطيع تحليلها، كما تختلف تطبيقاتها بحسب خصائص النوع أو السلالة والظروف التي تُستخدم فيها.
تؤدي فطريات العفن الأبيض، ومنها أنواع من جنس Phanerochaete، دورًا مهمًا في تحليل اللجنين الموجود في الأنسجة الخشبية. وتستطيع هذه الفطريات إنتاج إنزيمات مؤكسدة تساعد على تفكيك بعض المركبات العضوية المعقدة، مما يسهم في تحليل الأخشاب وبقايا النباتات وإعادة تدوير الكربون والعناصر المرتبطة بها. وتمثل هذه القدرات أساسًا للاهتمام بتوظيف بعض الفطريات في معالجة المخلفات النباتية.
وفي مجال إنتاج السماد العضوي، تسهم الفطريات في تحليل بقايا النباتات والمخلفات الزراعية بالتعاون مع البكتيريا والكائنات الأخرى. وتساعد هذه العملية على تحويل المخلفات إلى مواد عضوية يمكن إضافتها إلى التربة لتحسين خصائصها، ودعم نشاطها الحيوي، والمساهمة في إعادة العناصر الغذائية إلى النظام الزراعي.
كما يمكن الاستفادة من فطريات مختارة في معالجة بقايا المحاصيل والقش والأخشاب، بما يساعد على تقليل تراكم المخلفات وتحويل جزء منها إلى مواد قابلة للاستفادة في تطبيقات زراعية أو صناعية. وترتبط كفاءة هذه التطبيقات بقدرة الفطر على تحليل مكونات المخلفات، وبالظروف البيئية التي تجري فيها المعالجة.
ومن التطبيقات الأخرى المعالجة الحيوية للملوثات (Bioremediation)، إذ تستطيع بعض الفطريات إنتاج إنزيمات مؤكسدة تسهم في تفكيك ملوثات عضوية معينة، ومنها بعض الأصباغ والمركبات العطرية المعقدة. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الطريقة يعتمد على طبيعة الملوث وتركيزه ونوع الفطر المستخدم والظروف البيئية، ولا يعني ذلك أن جميع الملوثات يمكن إزالتها بالفطريات.
وفي المجال الزراعي، يمكن أن تسهم الفطريات المحللة في المحافظة على النشاط الحيوي للتربة من خلال تفكيك المخلفات وإعادة تدوير العناصر. وتؤدي الفطريات الميكوريزية وظيفة مختلفة نسبيًا، إذ ترتبط بجذور النباتات وتساعدها على امتصاص بعض العناصر الغذائية من التربة، ولا سيما الفوسفور. كما تُستخدم سلالات مختارة من الترايكوديرما في بعض التطبيقات الزراعية والمكافحة الحيوية وفقًا لخصائصها والغرض من استخدامها.
وتنسجم هذه التطبيقات مع مفهوم الاقتصاد الدائري (Circular Economy)، الذي يهدف إلى تقليل النفايات والاستفادة من الموارد المتاحة وتحويل المخلفات إلى منتجات ذات قيمة. ويمكن أن يسهم توظيف الفطريات في تحويل بعض المخلفات العضوية إلى سماد أو مواد وسيطة للاستخدام الصناعي، بما يدعم كفاءة استخدام الموارد ويقلل الهدر.
وعلى الرغم من الإمكانات الواعدة للفطريات في هذه المجالات، فإن تطبيقاتها تحتاج إلى اختيار الأنواع والسلالات المناسبة وتقييم فعاليتها وسلامتها في ظروف الاستخدام الفعلية. كما يتطلب نجاحها مراعاة خصائص المادة المعالجة والظروف البيئية وطبيعة التطبيق، لضمان تحقيق الفائدة المرجوة.
إن توظيف الفطريات المحللة في التطبيقات البيئية والزراعية يمثل أحد المسارات المهمة للاستفادة من القدرات الحيوية للكائنات الدقيقة، ويجمع بين فهم العمليات الطبيعية وتطوير وسائل عملية لإدارة المخلفات وتحسين التربة ودعم الاستدامة البيئية.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق