لم تعد النصيحة الطبية بحاجة إلى طبيب حاذق كي تصل إلى الناس، ولا إلى مؤسسة صحية عريقة كي تجد طريقها إلى آلاف المتابعين؛ إذ يكفي أحياناً مقطع مصور لا يتجاوز دقيقة واحدة، أو منشور عابر يحظى بتفاعل خوارزمي واسع، حتى تتحول معلومة مجهولة المصدر إلى حقيقة مطلقة يتداولها العامة ويبنون عليها قرارات مصيرية تمس صحتهم وحياتهم. وفي فضاء إعلامي مفتوح تتسابق فيه المنصات على جذب الانتباه الرقمي، تحول المحتوى الصحي إلى تجارة لجمع المشاهدات، مستثمراً مخاوف المرضى وآمالهم بعبارات رنانة وسامة من قبيل «العلاج الذي أخفوه عنك»، ليضع الحقيقة الطبية أمام اختبار أخلاقي صعب.
إن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في نشر الوعي الصحي بحد ذاته، بل في غياب الدقة وتراجع المرجعية العلمية؛ فحين يتحدث صناع المحتوى بثقة مفرطة عن وصفات علاجية سريعة أو ينصحون بإيقاف عقاقير كيميائية معينة دون امتلاك تخصص طبي، فإنهم يدفعون بالمرضى نحو تجربة مواد غير مأمونة أو تأخير مراجعة الأطباء، مما يترتب عليه مضاعفات صحية جسيمة. وبناءً على هذا الواقع المعقد، تبرز منظومة الرقابة الإعلامية لا كأداة لتقييد النشر أو حذف المحتوى عشوائياً، بل كمنظومة مهنية وقانونية صارمة تستهدف التحقق من المصادر، ومساءلة مروجي الادعاءات المضللة، والتمييز بين الرأي الشخصي والدليل العلمي القاطع.
وتبدأ هذه المسؤولية الأخلاقية من غرف الأخبار، حيث يتعين على الصحفيين عدم المبالغة في عرض نتائج الدراسات الطبية الأولية سعياً وراء السبق الصحفي، توازيها مسؤولية تقنية تقع على عاتق المنصات الرقمية للتعامل بحزم مع المحتوى الضار. وفي المقابل، تواجه الصحافة التقليدية اليوم تحدياً شرساً في بيئة رقمية تكافئ المحتوى الأكثر إثارة وتهمش المعلومة الهادئة الرصينة، وهو ما يفرض على المؤسسات الصحية والإعلامية تقديم بدائل موثوقة ومحتوى توعوي جذاب ينافس الشائعات السريعة في فضاء الإنترنت.
إن مواجهة التضليل الصحي لا تتحقق بالمنع أو بالعقوبات التشريعية وحدها، بل تتطلب تفعيل الصحافة الاستقصائية لملاحقة مصادر الوهم، مع بناء وعي جمعي لدى المتلقي يمنحه القدرة على فحص هوية الجهات الناشرة والرجوع للمختصين قبل التصديق. وفي زمن يستطيع فيه أي شخص أن يوجه رسائل لآلاف البشر بضغطة زر واحدة، لم يعد السؤال مقتصراً على من ينشر المعلومة الصحية، بل امتد إلى من يتحقق منها؛ لأن الخطأ العابر خلف الشاشات بات يهدد بشكل مباشر حياة الإنسان نفسه واستقرار المجتمع.
جامعة المستقبل .. الجامعة الأهلية الاولى في العراق
جامعة المستقبل