يأتي شهر أكتوبر من كل عام ليجدد رسالة إنسانية وصحية مهمة، تتمثل في تعزيز الوعي بسرطان الثدي، وتشجيع النساء على الاهتمام بصحتهن، والإقبال على الفحوص المناسبة للكشف المبكر. ولا يقتصر هذا الشهر على ارتداء الشريط الوردي أو إقامة الحملات التوعوية، بل يمثل دعوة حقيقية لكسر حاجز الخوف والصمت، وترسيخ ثقافة صحية تقوم على المعرفة والوقاية والدعم النفسي والاجتماعي.
يُعد سرطان الثدي من الأمراض التي تتطلب اهتمامًا مستمرًا على المستويين الصحي والمجتمعي، إذ تسهم معرفة عوامل الخطورة، والانتباه إلى التغيرات غير المعتادة في الثدي، والالتزام بالفحوص الموصى بها وفق العمر والتاريخ الصحي، في تعزيز فرص اكتشاف المرض في مراحله المبكرة. ومن هنا، تبرز أهمية التوعية بوصفها أداة فاعلة في تصحيح المفاهيم الخاطئة، ومواجهة الشائعات، وتشجيع النساء على طلب الاستشارة الطبية دون تردد أو خجل.
إن الخوف من التشخيص قد يدفع بعض النساء إلى تأجيل الفحص أو تجاهل العلامات التي تستدعي الاهتمام، إلا أن مواجهة هذا الخوف تبدأ بالحصول على المعلومات الصحيحة، وإدراك أن التشخيص لا يعني نهاية الأمل. فالتقدم في وسائل التشخيص والعلاج أتاح خيارات علاجية متعددة، وتختلف النتائج بحسب مرحلة المرض وطبيعته والحالة الصحية للمريضة. لذلك، فإن المبادرة إلى الاستشارة الطبية عند ملاحظة أي تغير غير معتاد تمثل خطوة مسؤولة نحو حماية الصحة، دون أن تعني بالضرورة وجود مرض خبيث.
ولا تكتمل رحلة التوعية دون الاهتمام بالجانب النفسي والإنساني؛ فالمرأة التي تواجه تجربة الإصابة بسرطان الثدي تحتاج إلى بيئة داعمة تمنحها الشعور بالأمان والتقدير، بعيدًا عن الوصمة الاجتماعية أو الأحكام المسبقة. وهنا تتجلى مسؤولية الأسرة والمؤسسات الصحية والتعليمية ووسائل الإعلام في تقديم الدعم النفسي، ونشر المعرفة الموثوقة، وتعزيز قيم التعاطف والتكافل، واحترام خصوصية المصابات وحقهن في حياة كريمة.
كما تؤدي الجامعات والمؤسسات التعليمية دورًا مهمًا في نشر ثقافة الوعي الصحي من خلال الندوات والورش التوعوية والحملات الإعلامية، وتوظيف المنصات الرقمية للوصول إلى شرائح المجتمع المختلفة. فالمعرفة العلمية حين تتحول إلى سلوك عملي تصبح وسيلة لبناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على التعامل مع التحديات الصحية بمسؤولية وثقة.
وفي الختام، فإن رسالة أكتوبر الوردي تتجاوز حدود شهر واحد؛ إنها دعوة مستمرة إلى الاهتمام بالصحة، وعدم الاستسلام للخوف، ومساندة كل امرأة تخوض رحلة التشخيص أو العلاج. فالكلمة الداعمة قد تمنح الأمل، والمعلومة الصحيحة قد تغير قرارًا، والفحص المناسب قد يسهم في اكتشاف المرض مبكرًا. أنتِ أقوى من الخوف، ووعيكِ خطوة نحو الأمل، واهتمامكِ بصحتكِ دليل على قوتكِ لا على ضعفكِ. لنجعل من أكتوبر الوردي بداية لثقافة دائمة من الوعي والرعاية والتضامن، يكون فيها الأمل حقًا إنسانيًا، والصحة مسؤولية مشتركة.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .