في الثامن والعشرين من شباط 2026 اندلعت الحرب في المنطقة، وخلال أيام أُغلق مضيق هرمز، المنفذ البحري الوحيد لصادرات النفط العراقي من موانئ البصرة. وبعد أشهر قليلة تأخرت رواتب الموظفين، واتسع العجز، ورفعت الحكومة سعر صرف الدولار. لم تكن هذه الأزمة الأولى من نوعها، فقد سبقتها أزمتا 2014 و2020، لكنها كانت الأوضح في كشف حقيقة واحدة: أن العراق ما يزال يواجه تقلبات النفط بلا مظلة قانونية تحميه منها.
إيرادات بلا مظلة
تشكل الإيرادات النفطية ما يقارب 90% من الإيرادات العامة في العراق، وهذا يعني أن أي تغير في سعر البرميل أو في الكميات المصدرة ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على دفع الرواتب وتمويل الخدمات. والتقلبات النفطية نوعان: تقلبات سعرية تنتج عن تغير الأسعار في الأسواق العالمية، وتقلبات كمية تنتج عن تعذر التصدير بسبب الحروب أو إغلاق الممرات أو الخلافات الداخلية. والعراق معرض للنوعين معاً، لأنه يعتمد على سوق عالمية متقلبة وعلى منفذ تصدير رئيس واحد.
ويزيد من خطورة هذه التقلبات ما يسميه فقه المالية العامة "الإنفاق المساير للدورة": ففي سنوات ارتفاع الأسعار تتوسع الحكومات في التعيينات والرواتب، وهي نفقات جامدة يصعب تخفيضها حين تنخفض الإيرادات. وقد ارتفعت فاتورة الرواتب والتقاعد في العراق من نحو 57.6 تريليون دينار عام 2022 إلى نحو 78.7 تريليون دينار عام 2024، وبات نحو 15 مليون شخص يتقاضون دخلاً مباشراً من الخزينة العامة.
هرمز يكشف المستور
جاءت أزمة مضيق هرمز صدمة كمية غير مسبوقة. فقد انخفضت صادرات النفط العراقية من نحو 3.5 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى نحو 1.35 مليون برميل يومياً في تموز 2026، قبل أن تستعيد جزءاً من مستواها لتبلغ نحو 2.3 مليون برميل يومياً في آب. وتراجعت الإيرادات النفطية الشهرية من نحو 6.8 مليار دولار في شباط إلى نحو 2.3 مليار دولار في أيار وحزيران.
وانعكس ذلك مباشرة على المالية العامة، إذ بلغت الإيرادات العامة في الأشهر السبعة الأولى من العام نحو 39.1 تريليون دينار مقابل مصروفات بلغت 65.4 تريليون دينار، فتجاوز العجز الفعلي 26 تريليون دينار. وتأخرت رواتب الموظفين في آب بسبب نقص السيولة، وتراجعت الاحتياطيات الأجنبية للبنك المركزي من نحو 97.4 مليار دولار نهاية 2025 إلى نحو 80.6 مليار دولار نهاية تموز 2026، فيما تجاوز الدين العام 208 تريليونات دينار وفق تصريح رئيس مجلس الوزراء.
مفارقة النفط الغالي والإيراد الشحيح
أغرب ما في هذه الأزمة أن سعر خام برنت تجاوز 100 دولار للبرميل، ومع ذلك لم يستفد العراق من هذا الارتفاع. فقد اضطرت شركة تسويق النفط (سومو) إلى بيع شحنات خام البصرة بخصومات تراوحت بين 25 و30 دولاراً للبرميل لإقناع المشترين بتحمل مخاطر العبور وكلف الشحن والتأمين. وهذه المفارقة تحمل درساً مهماً: إن الأدوات التي تعتمد على السعر وحده، كاعتماد سعر متحفظ في الموازنة، لا تكفي لحماية المالية العامة إذا تعذر إيصال النفط إلى المشترين.
وتتصل الأزمة كذلك بالقانون الدولي، فاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 تكفل في المادة (38) حق المرور العابر في المضائق الدولية، وتمنع المادة (44) الدول المشاطئة من إعاقته. غير أن إيران وقعت الاتفاقية ولم تصادق عليها. والنتيجة أن الموازنة العراقية أصبحت رهينة نزاع دولي لا يملك العراق أدوات حسمه، حتى بات تدفق إيراداته معلقاً على استثناءات تمنحها طهران لناقلاته.
فراغ تشريعي عمره عشرون عاماً
قرر دستور 2005 في المادة (111) أن النفط والغاز ملك كل الشعب العراقي، وأحال في المادة (112) تنظيم إدارته وتوزيع وارداته إلى قانون. لكن قانون النفط والغاز الاتحادي لم يصدر حتى اليوم، رغم مرور أكثر من عشرين عاماً. أما قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019، فينظم إعداد الموازنة وتقدير الإيرادات، لكنه يخلو من قاعدة مالية ملزمة تحدد سعراً مرجعياً للنفط أو سقفاً لنمو الإنفاق الجاري.
وكانت الفرصة الأقرب لإنشاء صندوق للأجيال قد جاءت مع قانون شركة النفط الوطنية العراقية رقم (4) لسنة 2018، الذي تضمن إنشاء صناديق تُموَّل من الأرباح النفطية، غير أن المحكمة الاتحادية العليا قضت مطلع 2019 بعدم دستورية عدد من مواده، فبقي العراق بلا صندوق سيادي يدخر فيه فوائض سنوات الوفرة.
ماذا فعلت الدول الأخرى؟
لم تواجه الدول النفطية الناجحة التقلبات بالقرارات الظرفية، بل بقواعد قانونية ثابتة:
1- النرويج: تحوّل إيراداتها النفطية الصافية إلى صندوق تجاوزت قيمته 2.2 تريليون دولار، ولا يجوز للحكومة أن تسحب منه سنوياً إلا بحدود 3% وفق قاعدة مالية صارمة.
2- الكويت: ألزمت بالقانون رقم (106) لسنة 1976 اقتطاع 10% من الإيرادات العامة سنوياً لصندوق احتياطي الأجيال القادمة.
3- تشيلي: قننت عام 2006 قاعدة "التوازن الهيكلي" التي تستبعد أثر التقلبات الدورية للأسعار من حساب الموازنة، وأنشأت صندوقاً للاستقرار يُستخدم في سنوات الانخفاض.
4- المكسيك: اعتمدت برنامجاً سنوياً للتحوط يضمن لها حداً أدنى لسعر بيع نفطها.
وفي المقابل، تقدم الجزائر درساً معاكساً، فقد أنشأت عام 2000 صندوقاً لضبط الإيرادات، لكن غياب القيود الصارمة على السحب منه أدى إلى استنفاده بعد انهيار الأسعار عام 2014. فالعبرة ليست بإنشاء الصندوق، بل بقواعد الإيداع والسحب والحوكمة التي يفرضها القانون.
حلول إسعافية بكلفة اجتماعية
في غياب هذه الأدوات، لجأت الحكومة إلى ما لجأت إليه في كل أزمة سابقة: البحث عن منافذ بديلة بعد وقوع الأزمة، كتوسيع التصدير عبر خط كركوك – جيهان والسعي إلى إحياء خط الأنابيب العراقي – السعودي المتوقف منذ 1990، ثم الاقتراض، وأخيراً رفع سعر صرف الدولار بقرار مجلس الوزراء رقم (544) في 6 تشرين الأول 2026 من 1300 إلى 1500 دينار لشراء الدولار من وزارة المالية. ورفع سعر الصرف يزيد القيمة الدينارية للإيرادات النفطية بنحو 15%، لكنه ينقل جزءاً من عبء الأزمة إلى المواطنين عبر ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية لأصحاب الدخول الثابتة.
نحو تنظيم قانوني لإدارة التقلبات
إن تكرار الأزمة ذاتها كل بضع سنوات يعني أن المشكلة تشريعية ومؤسسية قبل أن تكون اقتصادية. ويمكن إجمال ما يحتاجه العراق بما يأتي:
1- تشريع قانون النفط والغاز الاتحادي، والنص فيه على تنويع منافذ التصدير هدفاً ملزماً للسياسة النفطية.
2- تشريع قانون لصندوق سيادي بشقين، للاستقرار وللأجيال، بنسب إيداع إلزامية وقيود صارمة على السحب وحوكمة مستقلة خاضعة لرقابة ديوان الرقابة المالية ومجلس النواب.
3- تعديل قانون الإدارة المالية الاتحادية بإضافة قاعدة مالية تعتمد سعراً مرجعياً للنفط وفق معادلة ثابتة، وسقفاً لنمو الإنفاق الجاري.
4- تشريع قانون لإدارة الطوارئ المالية يحدد أولويات الإنفاق وحدود صلاحيات الحكومة عند انقطاع الإيرادات النفطية.
5- وضع ضوابط قانونية وشفافة لبيع النفط في الظروف الاستثنائية، كالبيع بخصومات، بما يحفظ المال العام.
خاتمة
لن تكون أزمة هرمز الأخيرة، فأسواق النفط ستبقى متقلبة، والمنطقة ستبقى مضطربة. لكن الفرق بين دولة تنهار ماليتها مع كل صدمة ودولة تمتصها بهدوء لا يكمن في حجم ثروتها النفطية، بل في القواعد القانونية التي تحكم إدارة هذه الثروة. وما لم يُترجم درس 2026 إلى تشريعات ملزمة، فسيعود العراق إلى الحلول الإسعافية ذاتها في الأزمة المقبلة، وسيدفع المواطن مرة أخرى ثمنها.
مصادر الأرقام:
دستور جمهورية العراق لعام 2005؛ قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019؛ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982؛ البنك المركزي العراقي؛ تقارير وكالة شفق نيوز المنشورة بين آب وتشرين الأول 2026 بشأن الصادرات النفطية والرواتب وموازنة 2027 وقرار تعديل سعر الصرف، نقلاً عن بيانات وزارة المالية وشركتي كبلر وفورتيكسا.