يُعد تحديد السوائل البيولوجية من المهام المهمة في علم الأدلة الجنائية، إذ يمكن أن يساعد التمييز بين الدم واللعاب والسائل المنوي في تفسير الأدلة البيولوجية التي يتم جمعها من مسرح الجريمة. وعلى الرغم من استخدام الاختبارات الكيميائية والإنزيمية والمناعية للتعرف على هذه السوائل، فإن بعض الطرق قد تكون محدودة من حيث الحساسية أو النوعية، ولا سيما عندما تكون العينات متحللة أو مختلطة. لذلك، ظهرت التقنيات الجزيئية المعتمدة على تحليل الحمض النووي الريبي (RNA)، وخاصة الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) والحمض النووي الريبي الميكروي (miRNA)، بوصفها طرقًا واعدة للتمييز بين السوائل البيولوجية.
تعتمد هذه الطرق على حقيقة أن الخلايا والأنسجة المختلفة تُظهر أنماطًا متميزة من التعبير الجيني. فعلى سبيل المثال، تحتوي خلايا الدم على واسمات مرتبطة بالهيموغلوبين ومكونات أغشية كريات الدم الحمراء. وتشمل الواسمات المهمة التي دُرست لتحديد الدم HBA وHBB، المرتبطين بسلسلتي الهيموغلوبين ألفا وبيتا على التوالي، وGYPA، الذي يشفّر بروتين غليكوفورين A الموجود على سطح كريات الدم الحمراء. وقد يساعد تحليل نسخ RNA المرتبطة بهذه الجينات على تحديد وجود الدم في العينة الجنائية. ومع ذلك، يجب تفسير النتائج وفقًا لنوعية الواسم المختار واحتمال وجود مكونات بيولوجية أخرى في العينة.
يمكن تحديد اللعاب باستخدام واسمات مرتبطة بخلايا الغدد اللعابية وإفرازاتها. وتشمل هذه الواسمات HTN3، المرتبط بالهيستاتين 3، وSTATH، المرتبط بالستاثيرين. وكلاهما بروتينان موجودان في اللعاب. وقد يساعد تحليل التعبير الجيني المرتبط بهذين الواسمين على تحديد مصدر العينة البيولوجية. ومع ذلك، قد تختلف حساسية ونوعية واسمات اللعاب الفردية باختلاف الشخص وظروف العينة. لذلك، يُفضَّل عمومًا استخدام مجموعة من الواسمات بدلًا من الاعتماد على واسم واحد.
أما بالنسبة إلى تحديد السائل المنوي، فيُعد PRM1 وPRM2 من الجينات المهمة المرتبطة بالبروتامينات الموجودة في خلايا الحيوانات المنوية، في حين أن SEMG1، الذي يشفّر بروتين سيمينوجيلين 1، يرتبط بالسائل المنوي. وقد يساعد تحليل هذه الواسمات على التمييز بين السائل المنوي والسوائل البيولوجية الأخرى. ومع ذلك، لا يعتمد تحديد السائل المنوي دائمًا على وجود الحيوانات المنوية؛ إذ قد لا تحتوي بعض عينات السائل المنوي على حيوانات منوية قابلة للكشف. لذلك، ينبغي اختيار الواسمات المناسبة وفقًا للغرض من الفحص.
تُستخدم تقنية تفاعل البوليميراز المتسلسل بعد النسخ العكسي (RT-PCR) لتحويل RNA إلى DNA مكمّل (cDNA)، ثم تضخيمه للكشف عن التسلسلات المستهدفة المحددة. كما يمكن استخدام تقنية تفاعل البوليميراز المتسلسل الكمي بعد النسخ العكسي (RT-qPCR) لقياس التعبير النسبي للواسمات الجزيئية. وتتيح تقنيات PCR متعددة الأهداف (Multiplex PCR) تحليل عدة واسمات في اختبار واحد، مما قد يساعد على التمييز بين أنواع متعددة من السوائل البيولوجية الموجودة في العينة نفسها. وإضافة إلى mRNA، يجري البحث في جزيئات RNA الميكروي بسبب مقاومتها النسبية للتحلل في بعض الظروف البيئية، مما يجعلها أهدافًا واعدة لتحليل البقع البيولوجية القديمة أو المتحللة.
في الختام، تمثل واسمات RNA وتقنيات RT-PCR أدوات واعدة لتحديد مصدر السوائل البيولوجية في التحقيقات الجنائية. وتشمل الواسمات المهمة HBA وHBB وGYPA للكشف عن الدم، وHTN3 وSTATH للكشف عن اللعاب، وPRM1 وPRM2 وSEMG1 للكشف عن السائل المنوي. ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار جميع هذه الواسمات اختبارات حاسمة ومستقلة. إذ يتطلب استخدامها في المجال الجنائي التحقق من النوعية والحساسية والثبات، مع مراعاة احتمال اختلاط السوائل البيولوجية المختلفة. لذلك، ينبغي دمج النتائج الجزيئية مع الاختبارات الجنائية المعتمدة، مع إجراء تحليل التكرارات الترادفية القصيرة (STR) بصورة منفصلة عند الحاجة إلى تحديد هوية الشخص