تُسهم التقنيات الحديثة في تطوير أساليب دراسة التنوع الحيوي ومراقبة الكائنات الحية في موائلها الطبيعية، إذ تتيح للباحثين جمع معلومات دقيقة عن الحيوانات والنباتات وتوزيعها وسلوكها والتغيرات التي تطرأ على بيئاتها، دون الحاجة إلى الإمساك بأعداد كبيرة من الكائنات أو إزعاجها بصورة مستمرة. وقد أصبحت هذه التقنيات أدوات مهمة في علم البيئة والأحياء والحفاظ على الحياة البرية، لما توفره من بيانات تساعد على فهم العلاقات بين الكائنات الحية والعوامل البيئية المحيطة بها.
ومن أبرز هذه التقنيات الكاميرات الفخية (Camera Traps)، وهي كاميرات تُثبت في مواقع مختارة داخل الغابات والمراعي والمحميات الطبيعية، وتعمل عادةً عند استشعار الحركة أو الحرارة الصادرة عن الكائنات التي تمر أمامها. وتساعد الصور ومقاطع الفيديو التي تسجلها هذه الكاميرات على تحديد وجود الأنواع في منطقة معينة، والتعرف على أوقات نشاطها، ودراسة سلوكها واستخدامها للموائل الطبيعية. كما يمكن الاستفادة منها في متابعة الحيوانات النادرة أو الليلية التي يصعب مشاهدتها مباشرةً، وتقدير بعض المؤشرات المتعلقة بتوزيعها وكثافتها. وتعتمد دقة النتائج على عدد الكاميرات ومواقع تثبيتها ومدة تشغيلها وطبيعة النوع المستهدف.
وتُعدّ تقنية الاستشعار عن بُعد (Remote Sensing) من الأدوات المهمة في دراسة التغيرات البيئية على مساحات واسعة، إذ تعتمد على جمع المعلومات عن سطح الأرض باستخدام الأقمار الصناعية أو الطائرات أو الطائرات المسيّرة المجهزة بأجهزة استشعار مناسبة. وتتيح هذه التقنية متابعة تغير الغطاء النباتي، وتراجع المساحات الغابية، وتوسع المناطق العمرانية، وتغير المسطحات المائية، وآثار الجفاف والحرائق. ويمكن من خلال مقارنة الصور الملتقطة في أوقات مختلفة تحديد المناطق التي تعرضت لتدهور بيئي أو فقدان في الموائل الطبيعية، مما يساعد الباحثين على تقييم التغيرات التي قد تؤثر في بقاء الأنواع وتوزيعها.
وترتبط هذه التقنية باستخدام نظم المعلومات الجغرافية (Geographic Information Systems – GIS)، وهي أنظمة تُستخدم لجمع البيانات المكانية وتنظيمها وتحليلها وعرضها على شكل خرائط. وتساعد هذه النظم على دمج معلومات متعددة، مثل مواقع مشاهدة الحيوانات، وأنواع الغطاء النباتي، ودرجات الحرارة، ومصادر المياه، والطرق والمناطق العمرانية. ومن خلال تحليل هذه البيانات، يستطيع الباحثون تحديد الموائل المناسبة للأنواع، ودراسة تجزئة الموائل إلى مساحات منفصلة، وتحديد الممرات البيئية التي قد تسمح للحيوانات بالتنقل بين المناطق الطبيعية. كما يمكن استخدامها في اختيار المواقع ذات الأولوية للحماية أو استعادة الموائل المتدهورة.
ومن التقنيات المتقدمة أيضًا الحمض النووي البيئي (Environmental DNA – eDNA)، الذي يعتمد على الكشف عن آثار المادة الوراثية التي تتركها الكائنات الحية في البيئة، مثل الماء والتربة والرواسب. فقد تطلق الأسماك والكائنات المائية مادة وراثية في الماء من خلال الخلايا المتساقطة والمخاط والفضلات، في حين قد تترك الحيوانات البرية آثارًا وراثية في التربة أو المياه التي تستخدمها. ويجمع الباحثون عينات من هذه البيئات، ثم يستخلصون الحمض النووي منها ويحللونه باستخدام تقنيات جزيئية للكشف عن الأنواع المستهدفة.
وتتميز تقنية الحمض النووي البيئي بإمكانية الكشف عن أنواع يصعب رصدها بالطرق التقليدية، ولا سيما الأنواع النادرة أو الصغيرة أو التي تعيش في بيئات يصعب الوصول إليها. كما يمكن أن تساعد في الكشف المبكر عن الأنواع الغازية ومتابعة وجود الأنواع المهددة في المسطحات المائية. ومع ذلك، فإن العثور على الحمض النووي لا يثبت بالضرورة وجود كائن حي في موقع أخذ العينة لحظة جمعها؛ إذ يمكن أن تنتقل المادة الوراثية بفعل حركة الماء أو عوامل أخرى، كما تتأثر النتائج بسرعة تحللها والظروف البيئية واحتمال حدوث التلوث أثناء جمع العينات أو تحليلها. لذلك، تتطلب هذه التقنية إجراءات دقيقة لضبط الجودة والتحقق من النتائج.
وتشمل التقنيات الحديثة كذلك أجهزة التتبع الحيوي (Biotelemetry)، التي تستخدم أجهزة صغيرة تُثبت على بعض الحيوانات أو تُزرع فيها وفق ضوابط علمية وأخلاقية، بهدف متابعة حركتها وانتقالها بين الموائل. ويمكن استخدام أجهزة تحديد المواقع العالمية (GPS) وأجهزة التتبع اللاسلكي لدراسة مسارات هجرة الطيور، وتنقل الثدييات، واستخدام الحيوانات لمصادر المياه ومناطق الغذاء والتكاثر. وتساعد هذه المعلومات على تحديد المناطق المهمة لبقاء الأنواع، وفهم تأثير الطرق والمنشآت البشرية وتغير استخدام الأراضي في حركة الحيوانات.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى