التغيرات فوق الجينية في الخلايا وإمكاناتها في توجيه التحقيق الجنائي — م. م هويدا نزال حسين
لا يعتمد نشاط الخلية على تسلسل DNA وحده، بل يتأثر أيضاً بعوامل تنظيمية تساعد على تشغيل الجينات أو تقليل نشاطها. ويُطلق على بعض هذه التغيرات اسم التغيرات فوق الجينية، ومن أمثلتها مثيلة DNA. وقد جذبت هذه الظاهرة اهتمام الباحثين في الأدلة الجنائية، لأنها قد توفر معلومات إضافية عن نوع العينة أو العمر التقريبي لصاحبها، ضمن نماذج لها حدود واضحة.
تتضمن المثيلة إضافة مجموعات كيميائية إلى مواقع معينة في DNA دون تغيير تسلسل قواعده. ويمكن أن تختلف أنماطها بين الأنسجة أو تتغير في مواقع محددة مع تقدم العمر. ولا يعني ذلك وجود ساعة دقيقة تحدد عمر كل شخص، وإنما علاقات إحصائية يستفيد منها الباحثون عند بناء اختبارات ونماذج تنبؤية وتقييم أدائها على عينات مناسبة.
يختلف تقدير العمر فوق الجيني عن التعرف على الهوية باستخدام العلامات الوراثية التقليدية. فالتقدير قد يعطي نطاقاً أو قيمة تقريبية مع مقدار من الخطأ، بينما تتناول المقارنة الوراثية سؤال المساهم المحتمل. ولذلك يجب عدم الخلط بين كون نتيجة العمر متوافقة مع شخص وبين وجود دليل وراثي يربطه بالعينة، فهما نوعان مختلفان من المعلومات.
وتحتاج النماذج إلى عينات تدريب وبيانات تحقق مستقلة تمثل الفئات التي ستطبق عليها. كما يجب مراعاة نوع السائل أو النسيج وطريقة القياس وجودة المادة المتاحة. وقد تؤثر اختلافات الأجهزة والإجراءات في قياس المثيلة، مما يجعل توحيد العمل ومراقبة الجودة ضروريين قبل استخدام النتائج لتوجيه تحقيق واقعي.
في مثال تعليمي افتراضي، توجد عينة مجهولة ولا يتوافر مرجع مناسب للمقارنة المباشرة. قد يساعد اختبار متحقق من أدائه في تقديم تقدير عمري يوجه البحث، مع بيان هامش الخطأ وشروط التطبيق. لكن هذا التقدير لا يثبت هوية شخص ولا يبرر استبعاد جميع من تقع أعمارهم خارج قيمة واحدة، لأن التنبؤ يحمل عدم يقين.
وقد يصعب تفسير العينات المختلطة أو المحدودة أو المتحللة، كما لا يلزم أن يعمل نموذج طور للدم بالطريقة نفسها مع اللعاب أو مادة أخرى. لذلك يجب الالتزام بنطاق التحقق وعدم تعميم الأداء. وتظل بعض التطبيقات بحثية أو متخصصة، ولا ينبغي وصف نتائج الدراسات بأنها إمكانات روتينية مؤكدة في كل المختبرات.
يكشف هذا المجال أن الخلية تحمل معلومات عن وظيفتها وتنظيمها، إضافة إلى معلوماتها الوراثية. ويمكن لهذه المعرفة أن توسع أدوات التحقيق إذا استُخدمت بصورة دقيقة ومسؤولة. وتبقى القيمة الحقيقية في تقديم قرائن توجه العمل وتوضح حدودها، مع احترام الخصوصية وعدم تفسير التقديرات على أنها حقائق نهائية. فالتطور العلمي يفيد العدالة عندما يقترن بتحقق مستقل وتقرير واضح واستنتاج يتناسب مع قوة البيانات الفعلية.