لا تزال الإصابات الطفيلية تمثل مشكلة مهمة للصحة العامة في جميع أنحاء العالم. ويُعد التعرف الدقيق على الطفيليات أمرًا ضروريًا للعلاج المناسب، والمراقبة الوبائية، والوقاية من انتقال العدوى. ولا تزال طرق التشخيص التقليدية، ولا سيما الفحص المجهري، مستخدمة على نطاق واسع؛ إلا أن حساسيتها قد تكون محدودة، وقد لا تتمكن من التمييز بشكل موثوق بين الأنواع الطفيلية المتشابهة من الناحية المورفولوجية. لذلك، أصبحت تقنيات التشخيص الجزيئي، وخاصة تفاعل البوليميراز المتسلسل (PCR) وتفاعل البوليميراز المتسلسل في الزمن الحقيقي (qPCR)، ذات أهمية متزايدة في علم الطفيليات الحديث. ويُعد اختيار الهدف الجيني المناسب أحد أهم العوامل التي تحدد حساسية ونوعية التشخيص الجزيئي.
يُعد جين الريبوسوم RNA 18S (18S rRNA)، المعروف أيضًا باسم جين الوحدة الفرعية الصغيرة للـRNA الريبوسومي، أحد أكثر الواسمات الجينية استخدامًا على نطاق واسع. ويحتوي هذا الجين على مناطق محفوظة ومناطق متغيرة، مما يسمح باستخدامه للكشف عن العديد من الطفيليات الأولية والتعرف عليها. وقد استُخدم جين 18S rRNA في التشخيص الجزيئي لطفيليات مثل Entamoeba histolytica وGiardia duodenalis وCryptosporidium spp. وPlasmodium spp. وتتمثل ميزته الرئيسية في وجود تسلسلات محفوظة مناسبة لتصميم البادئات، في حين يمكن للمناطق المتغيرة أن توفر معلومات مفيدة لتحديد الأنواع. فعلى سبيل المثال، يمكن لاختبارات PCR النوعية التي تستهدف 18S rRNA أن تميز بين E. histolytica وE. dispar المتشابهتين مورفولوجيًا.
وتُعد مجموعة أخرى مهمة من الواسمات الجزيئية هي مناطق الفواصل الداخلية المنسوخة (ITS)، ولا سيما ITS1 وITS2. وتقع هذه المناطق بين جينات RNA الريبوسومي، وتكون عمومًا أكثر تباينًا من 18S rRNA. ولذلك، فإن واسمات ITS مفيدة بشكل خاص للتمييز بين الأنواع الطفيلية المتقاربة، وكذلك في الدراسات الوبائية الجزيئية. ويمكن تمثيل منطقة DNA الريبوسومي بالترتيب التالي: 18S–ITS1–5.8S–ITS2–28S. كما أن جين 28S rRNA، أو جين الوحدة الفرعية الكبيرة للـRNA الريبوسومي، مفيد أيضًا في تحديد الطفيليات والتحليل التطوري لها.
تمثل الجينات الميتوكوندرية فئة أخرى مهمة من الواسمات الجزيئية. وتشمل أكثرها استخدامًا جين السيتوكروم c أوكسيداز الوحدة الفرعية الأولى (COI أو cox1) والسيتوكروم b (cytb). وتحتوي هذه الجينات على درجة ملحوظة من التباين في تسلسلها، ولذلك فهي مفيدة في تحديد الأنواع، والتعرّف الجزيئي على الأنواع باستخدام تقنية الترميز الجيني (DNA barcoding)، والتوصيف الجيني. وتُعد الواسمات الميتوكوندرية ذات قيمة خاصة للتمييز بين الأنواع المتقاربة من الديدان الطفيلية والطفيليات الأولية، وكذلك لدراسة جماعات الطفيليات.
تمتلك بعض الطفيليات تسلسلات DNA شديدة التكرار توفر أهدافًا شديدة الحساسية لتفاعل PCR. ومن الأمثلة المعروفة على ذلك Toxoplasma gondii. ومن الأهداف الجزيئية المهمة لهذا الطفيلي جين B1 وعنصر DNA المتكرر بحجم 529 زوجًا قاعديًا (529-bp repetitive DNA element). ويوجد تكرار 529 زوجًا قاعديًا في مئات النسخ داخل جينوم الطفيلي، مما يجعله هدفًا ممتازًا عندما تكون كمية الطفيلي منخفضة جدًا. ولذلك، يُستخدم على نطاق واسع في اختبارات PCR وqPCR الحساسة، وخاصة للكشف عن DNA الخاص بـT. gondii في العينات السريرية.
تمتلك طفيليات أخرى أهدافًا جينية محددة تكون مفيدة بشكل خاص في التشخيص الجزيئي. ففي Giardia duodenalis، تُستخدم جينات مثل β-giardin وglutamate dehydrogenase (gdh) وtriosephosphate isomerase (tpi) بشكل شائع للتوصيف الجزيئي والتمييز بين التجمعات الجينية (assemblages). وفي Cryptosporidium spp.، تُعد جينات 18S rRNA وCOWP وgp60 أهدافًا مهمة، ويُعد gp60 مفيدًا بشكل خاص لتحديد الأنماط الفرعية. أما بالنسبة إلى Leishmania وTrypanosoma، فإن DNA الكينيتوبلاستي (kDNA) يمثل هدفًا مهمًا بسبب ارتفاع عدد نسخه، مما يمكن أن يحسن حساسية الكشف الجزيئي.
وبالتالي، يعتمد اختيار الهدف الجزيئي على الغرض من التشخيص. فالجينات المحفوظة مثل 18S rRNA مفيدة للكشف الواسع عن الطفيليات والتحديد التصنيفي لها، في حين أن المناطق الأكثر تغيرًا مثل ITS وCOI/cytb الميتوكوندرية تكون أكثر ملاءمة للتمييز بين الأنواع وتحديد الأنماط الجينية. أما الأهداف شديدة التكرار، مثل تكرار 529 زوجًا قاعديًا في T. gondii وDNA الكينيتوبلاستي، فهي ذات قيمة خاصة عندما تكون هناك حاجة إلى حساسية تحليلية عالية.
وفي الختام، أدى التشخيص الجزيئي إلى تحسين كبير في الكشف عن الإصابات الطفيلية البشرية وتحديدها. وتشمل أهم الأهداف الجينية 18S rRNA و28S rRNA وITS1 وITS2 وCOI/cox1 وcytb وkDNA وB1 وتسلسلات DNA المتكررة.
ولا يوجد جين واحد مثالي لجميع الطفيليات؛ ولذلك، ينبغي اختيار الهدف وفقًا لنوع الطفيلي، ونوع العينة السريرية، والهدف التشخيصي. ويمكن أن يؤدي الجمع بين الطرق الجزيئية والفحص المجهري التقليدي وتقنيات التشخيص الأخرى إلى توفير تشخيص أكثر دقة وموثوقية للإصابات الطفيلية البشرية