أصبح علم الأدلة الجنائية يعتمد بصورة متزايدة على تقنيات الكيمياء التحليلية الحديثة للكشف عن طبيعة المواد المرتبطة بالجرائم، وتحديد خصائصها ومقارنتها بالأدلة المرجعية. وقد أسهم التطور المتسارع في الأجهزة التحليلية وتقنيات معالجة البيانات في رفع حساسية التحليل ودقته، فضلًا عن إمكانية التعامل مع كميات صغيرة ومعقدة من العينات.
تُعد مطيافية الأشعة تحت الحمراء بتحويل فورييه (FTIR) ومطيافية رامان (Raman Spectroscopy) من أبرز التقنيات المستخدمة في تحليل الأدلة الجنائية، إذ توفران معلومات مهمة حول التركيب الجزيئي للمواد. ويمكن توظيفهما في فحص الألياف والأحبار والدهانات والبوليمرات وبعض الأدلة البيولوجية. وتمتاز مطيافية رامان بإمكانية تحليل كميات صغيرة جدًا من العينات، وفي العديد من الحالات دون إتلاف الدليل، كما يمكن دمجها مع المجهر لتحليل مناطق دقيقة ومحددة من العينة.
وتحتل مطيافية الكتلة (Mass Spectrometry) مكانة أساسية في التحليل الجنائي بسبب حساسيتها العالية وقدرتها على التعرف على المركبات الكيميائية. ويُستخدم الاقتران بين الكروماتوغرافيا الغازية ومطيافية الكتلة (GC-MS) على نطاق واسع في تحليل المخدرات والسموم والمذيبات وبقايا المواد القابلة للاشتعال، في حين توفر LC-MS إمكانية تحليل المركبات غير المتطايرة والحساسة حراريًا، مثل بعض الأدوية والمستقلبات والمركبات الحيوية.
كما ظهرت تقنيات تحليلية متقدمة، مثل الكروماتوغرافيا الغازية ثنائية الأبعاد الشاملة (GC×GC) ومطيافية الكتلة الثانوية للأيونات بزمن الطيران (ToF-SIMS)، والتي توفر قدرات متقدمة لفصل وتحليل الخلطات الكيميائية المعقدة ودراسة التوزيع الكيميائي على أسطح الأدلة المختلفة. ويمكن الاستفادة من هذه التقنيات في تحليل الأحبار والدهانات والشعر وبصمات الأصابع والمواد النزرة وغيرها من الأدلة.
ومع ازدياد حجم البيانات الناتجة عن الأجهزة التحليلية، ازدادت أهمية الكيميومتريا (Chemometrics)، التي تعتمد على الأساليب الرياضية والإحصائية لاستخلاص المعلومات المهمة من البيانات الكيميائية. وتُستخدم تقنيات مثل تحليل المكونات الرئيسية (PCA) وتحليل التمييز والخوارزميات متعددة المتغيرات للتمييز بين العينات وربط الأدلة اعتمادًا على بصمتها الكيميائية.
ويمثل الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي اتجاهًا متقدمًا في مجال الكيمياء التحليلية الجنائية، إذ يمكن توظيفهما في تصنيف العينات، والتعرف على الأنماط الطيفية، وتحليل البيانات الكروماتوغرافية، والتنبؤ بهوية بعض المواد أو مصدرها المحتمل. كما يمكن دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي مع FTIR وRaman وGC-MS وLC-MS لتحسين سرعة تحليل البيانات ودقة تفسير النتائج.
ومن أبرز التطبيقات الجنائية لهذه التقنيات تحليل الدم وسوائل الجسم والمخدرات والسموم والألياف والدهانات والزجاج والتربة والأحبار وبقايا الحرائق. ويسهم الجمع بين أكثر من تقنية تحليلية في بناء بصمة كيميائية أكثر شمولًا للأدلة، وتقليل احتمالية الاعتماد على مؤشر تحليلي واحد عند تفسير النتائج.
وعلى الرغم من التطور الكبير الذي شهدته الكيمياء التحليلية الجنائية، فإنها تواجه مجموعة من التحديات، من بينها تعقيد العينات، وصغر كمية الأدلة، واحتمالية التلوث، واختلاف ظروف القياس والتحليل. كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي يتطلب قواعد بيانات موثوقة، وبيانات تدريب متنوعة، والتحقق المستقل من أداء النماذج، وتحديد معدلات الخطأ، خصوصًا عندما تكون النتائج ذات أهمية قانونية.
ويتجه مستقبل الأدلة الجنائية نحو مزيد من التكامل بين التقنيات الطيفية والكروماتوغرافية ومطيافية الكتلة والكيميومتريا والذكاء الاصطناعي. ومن المتوقع أن يسهم هذا التكامل في تطوير أنظمة تحليلية أكثر سرعة وحساسية وقدرة على التعامل مع الأدلة المعقدة، مع بقاء الخبرة البشرية وضبط الجودة والتحقق العلمي عناصر أساسية لضمان موثوقية النتائج ودقتها.
الكيمياء التحليلية الجنائية.. تقنيات متقدمة، أدلة أكثر دقة، وذكاء اصطناعي يرسم مستقبل التحليل الجنائي.