ا.د حيدر علي الدليمي
يشهد العصر الحالي تحولات جذرية متسارعة تضع التكنولوجيا وتطبيقاتها في صدارة اولويات التنمية المستدامة وبناء الدول الحديثة. وفي ظل سعى الحكومة العراقية الحثيث لترسيخ أسس الإدارة الرشيدة ورفع كفاءة الأداء الحكومي، يمثل "المحور الحادي عشر" من المنهاج الوزاري الخاص بالاتصالات وتكنولوجيا المعلومات خارطة طريق طموحة لإحداث نقلة نوعية في البنية التحتية الرقمية للبلاد.
إن تطوير البنى التحتية للاتصالات وإنشاء مراكز بيانات حكومية مترابطة يُعد الركيزة الأساسية لضمان استضافة آمنة وفعالة للأنظمة الوطنية، وقواعد البيانات، والتطبيقات الحكومية. فالاعتماد العشوائي أو المشتت للبيانات لم يعد ملائماً لمتطلبات العصر، مما يحتم الانتقال إلى منظومة رقمية متكاملة تتسم بالمرونة والسرعة والكفاءة العالية في تقديم الخدمات للمواطنين والمؤسسات على حد سواء.
وفي هذا السياق، تبرز الأهمية القصوى لإطلاق استراتيجية وطنية شاملة للتحول الرقمي بالتعاون مع المؤسسات الدولية المتخصصة، إذ لا يقتصر التحول الرقمي على اقتناء الأجهزة أو البرمجيات فحسب، بل هو تغيير جذري في فلسفة العمل الإداري والمؤسسي يقوم على الشفافية، وتقليص البيروقراطية، ومنع الازدواجية في الإجراءات. كما يسهم اعتماد "الهوية الرقمية" وإطلاق الإطار الوطني لحوكمة البيانات في توفير بيئة آمنة تضمن تكامل تبادل البيانات وأتمتة الإجراءات والخدمات رقمياً باستخدام التوقيع الإلكتروني.
إلى جانب ذلك، يأتي التوسع في استخدام الحوسبة السحابية الحكومية واعتماد معايير وطنية موحدة للأنظمة والتطبيقات كخطوة استراتيجية لتعزيز الأمن السيبراني وحماية السيادة الرقمية للدولة، فضلاً عن تمكين المراكز الوطنية المتخصصة في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي من أداء دورها الفني والمؤسسي بكفاءة عالية.
إن نجاح مشروع التحول الرقمي الشامل يتطلب تضافر جهود المؤسسات الأكاديمية والقطاع الحكومي والخاص، لكون الجامعات والمراكز البحثية حاضنة أساسية لتخريج الكفاءات وتطوير المهارات التقنية اللازمة لدعم هذه المسارات. ومن هنا تبرز مسؤوليّة المؤسسات التعليمية والأكاديمية في مواكبة هذه التوجهات الوطنية، وتوجيه البحث العلمي نحو خدمة أهداف التحول الرقمي، بما يسهم في بناء اقتصاد رقمي منتج ومستدام يدعم مسيرة التنمية الشاملة في العراق.