التضخم العالمي وانعكاساته على القياس المحاسبي.
م.م علي مرزه عبد الحمزه العيساوي
يشهد الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة موجات متتالية من التضخم نتيجة مجموعة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية، من أبرزها اضطرابات سلاسل التوريد، وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية، والتغيرات في السياسات النقدية، فضلاً عن التوترات الإقليمية التي أثرت في حركة التجارة العالمية. وقد انعكست هذه المتغيرات بصورة مباشرة على بيئة الأعمال، وأصبحت المؤسسات تواجه تحديات متزايدة في الحفاظ على استقرار تكاليفها وقدرتها التنافسية. وفي ظل هذه الظروف، برزت الحاجة إلى إعادة النظر في أساليب القياس المحاسبي التقليدية ومدى قدرتها على التعبير عن الواقع الاقتصادي في فترات التضخم المرتفع.
يعتمد النظام المحاسبي في أغلب دول العالم على مبدأ التكلفة التاريخية، والذي يقضي بإثبات الأصول والالتزامات بالقيم التي تم دفعها أو الالتزام بها عند حدوث العملية المالية. وقد أثبت هذا المبدأ فاعليته في الفترات التي تتسم باستقرار المستوى العام للأسعار، إلا أن ارتفاع معدلات التضخم يؤدي إلى ظهور فجوة بين القيمة الدفترية للأصول وقيمتها الاقتصادية الحقيقية. فالأصل الذي تم اقتناؤه قبل عدة سنوات قد تبقى قيمته الدفترية ثابتة، في حين تكون قيمته السوقية قد ارتفعت بصورة كبيرة، وهو ما يؤدي إلى تقديم معلومات قد لا تعكس المركز المالي الحقيقي للمنشأة.
وتتضح آثار التضخم بشكل أكبر في قياس الأرباح، إذ يؤدي الاعتماد على الإيرادات الجارية مقابل تكاليف تاريخية إلى تضخيم الأرباح المحاسبية، فتبدو المنشأة وكأنها حققت أداءً مالياً أفضل مما هو عليه في الواقع. ويترتب على ذلك اتخاذ قرارات قد لا تكون سليمة، مثل توزيع أرباح لا تستند إلى أرباح اقتصادية حقيقية، أو فرض ضرائب على أرباح ناتجة عن تغيرات الأسعار وليس عن زيادة الكفاءة التشغيلية. كما قد يؤثر ذلك في تقييم المستثمرين لأداء الشركات، ويقلل من قدرة القوائم المالية على توفير معلومات ملائمة لاتخاذ القرارات.
ولا تقتصر آثار التضخم على الأصول الثابتة، بل تمتد إلى تقييم المخزون أيضاً. فعندما ترتفع الأسعار بصورة مستمرة، تختلف تكلفة استبدال المخزون عن تكلفته التاريخية، مما يؤثر في تكلفة البضاعة المباعة وقيمة المخزون الظاهرة في قائمة المركز المالي. كما تتأثر الالتزامات طويلة الأجل، والتدفقات النقدية المستقبلية، وأساليب احتساب الاستهلاك، الأمر الذي يجعل العديد من المؤشرات المالية أقل قدرة على عكس الأداء الحقيقي للمنشأة.
وفي هذا السياق، أولت المعايير المحاسبية الدولية اهتماماً بمعالجة آثار التضخم، إذ تناول معيار المحاسبة الدولي رقم (29) كيفية إعداد التقارير المالية في الاقتصادات التي تعاني من التضخم المرتفع، من خلال إعادة التعبير عن بنود القوائم المالية باستخدام مؤشر عام للأسعار، بما يحقق قدراً أكبر من قابلية المقارنة ويعزز جودة المعلومات المحاسبية. ورغم أن تطبيق هذا المعيار يقتصر على الاقتصادات التي تتوافر فيها مؤشرات محددة للتضخم المفرط، فإن المبادئ التي يستند إليها تؤكد أهمية مراعاة التغير في القوة الشرائية للنقود عند إعداد التقارير المالية.
ومع تزايد التقلبات الاقتصادية العالمية، لم يعد التضخم ظاهرة مؤقتة يمكن تجاهلها، بل أصبح أحد المتغيرات التي ينبغي أن تؤخذ في الحسبان عند إعداد وتحليل القوائم المالية. وأصبح المستثمرون والمحللون الماليون يولون اهتماماً متزايداً بالإفصاحات المتعلقة بتأثير التضخم على الأرباح والتكاليف والتدفقات النقدية، لأنها تساعدهم على تكوين صورة أكثر دقة عن الأداء المالي الحقيقي للشركات.
ومن جهة أخرى، فرضت البيئة الاقتصادية الحالية على الإدارات المالية تطوير أساليب التخطيط وإدارة المخاطر، إذ أصبح من الضروري إعادة تقييم الاستثمارات بصورة دورية، ومراجعة سياسات التسعير، وتحليل أثر التضخم في السيولة والتمويل. كما برزت أهمية استخدام أدوات التحليل المالي التي تراعي تغير القوة الشرائية للنقود عند تقييم الأداء المالي واتخاذ القرارات الاستثمارية.
إن التطورات الاقتصادية المتسارعة تشير إلى أن مهنة المحاسبة ستكون مطالبة خلال السنوات المقبلة بتطوير أساليب القياس والإفصاح بما يتلاءم مع المتغيرات الاقتصادية العالمية. فالمعلومات المحاسبية لن تحقق أهدافها إذا اقتصرت على عرض أرقام تاريخية لا تعكس الواقع الاقتصادي، بل ينبغي أن تقدم معلومات تساعد مستخدمي القوائم المالية على فهم الآثار الحقيقية للتضخم في المركز المالي ونتائج الأعمال.
يبقى القياس المحاسبي أحد الركائز الأساسية لجودة التقارير المالية، إلا أن كفاءته ترتبط بقدرته على مواكبة التغيرات الاقتصادية. وفي ظل استمرار الضغوط التضخمية في العديد من الاقتصادات، تزداد الحاجة إلى تطوير الممارسات المحاسبية والإفصاحات المالية بما يضمن تقديم معلومات أكثر ملاءمة وموثوقية. ومن ثم، فإن التعامل مع التضخم لا يمثل مجرد قضية فنية في المحاسبة، بل يعد ضرورة لتعزيز ثقة المستثمرين، ودعم القرارات الاقتصادية، والمحافظة على جودة التقارير المالية في بيئة أعمال تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين.