يُعد الدفن في جوار المراقد المقدسة، ولا سيما في النجف وكربلاء، من الممارسات الدينية الراسخة التي حظيت بمكانة خاصة لدى كثير من المسلمين الشيعة عبر قرون طويلة. ومع تطور وسائل النقل الحديثة، أصبحت عملية نقل الجثامين إلى هاتين المدينتين لا تستغرق سوى ساعات معدودة، إلا أن هذا الواقع يثير تساؤلا تاريخيا مهما: كيف كانت تُنقل الجثامين إلى النجف وكربلاء قبل ظهور وسائل النقل الحديثة، حين كانت الرحلات تستغرق أياما، وربما أسابيع، عبر طرق القوافل، ويمكن العثور على إجابة هذا التساؤل في شهادات عدد من الرحالة والمستشرقين الذين زاروا العراق خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إذ تُعد مذكراتهم من المصادر المهمة لدراسة الحياة الاجتماعية والاقتصادية، لما تتضمنه من مشاهدات مباشرة للعادات والتقاليد وأنماط الحياة اليومية. ومن أبرز هذه الشهادات ما سجلته الفرنسية جين ديولافوا خلال رحلتها من بغداد إلى الحلة عام 1881م، حيث قدمت وصفا دقيقا ومؤثرا لظاهرة نقل الجثامين بقصد دفنها في العتبات المقدسة. وتذكر ديولافوا أنها وصلت مع مرافقيها عند حلول الليل إلى خان (كاروانسراي) بيرونوس/ بئر يونس الواقع في منتصف الطريق بين بغداد والحلة. ونظرا لشدة برودة الطقس، قررت القافلة المبيت داخل الخان، وهناك فوجئت بمشهد لم تكن تتوقعه، إذ تصف ذلك بقولها: "كان الطقس باردا، فلجأنا إلى داخل الخان. وكانت هناك طرود يبلغ طولها نحو مترين ملقاة في أكوام غير منتظمة على طول الجدران، تملأ الأقواس المجاورة للمكان الذي خيمنا فيه. وقيل لنا إنها تخص زوارا شيعة وصلوا قبلنا، وقد تُرِكت أمانة تحت ذمتنا وأمانتنا. وكم كنت سأشعر بالفخر الشديد بدليل الثقة هذه لولا أنه كانت تنبعث من هذه الطرود رائحة كريهة! وانتابني الفضول، فلمست الطرود بيدي؛ يا للهول، إنني لا أحلم، إنها جثث!... بعضها ملفوف بالسجاد ومربوط بالحبال كالسجق، وبعضها الآخر ممدد في صناديق خشبية تبدو من خلال ألواحها غير المحكمة جثث أصحابها" وتتابع وصفها قائلة: من أرجاء بلاد فارس وحتى من الهند، ينقل الشيعة موتاهم ليُدفنوا في الأراضي المجاورة لضريح الحسين بن علي؛ وهكذا كان جيراني هم هؤلاء الوافدون الجدد. ورغم كل احترامي لهذه المومياوات المتجولة، لم يقو قلبي على مجاورتها طوال الليل، لذا قمنا بنقل أمتعتنا ونصبنا خيامنا في الخارج، دون أن نتمكن من الإفلات من نفحات الرائحة الكريهة التي كانت تنبعث من داخل الخان مع نسمات المساء.
تكشف هذه الشهادة أن نقل الجثامين إلى العراق لم يكن يقتصر على المدن والقرى العراقية، بل شمل أيضا مناطق بعيدة مثل بلاد فارس والهند، حيث كانت الجثامين تُنقل ضمن قوافل برية، وتتوقف في الخانات المنتشرة على امتداد الطريق للاستراحة قبل مواصلة رحلتها نحو المدن المقدسة. كما تبرز الرواية الدور الذي أدته الخانات بوصفها محطات لوجستية لخدمة المسافرين والزائرين وناقلي الجثامين في زمن كانت فيه وسائل النقل تعتمد على الدواب. وتؤكد هذه الظاهرة شهادة أخرى متأخرة للمؤرخ والآثاري الأمريكي جيمس هنري برستد، الذي زار العراق سنة 1920 ففي الرابع من نيسان التقط صورة لرجل ينقل جثمانا إلى النجف، وأرفقها بالتعليق الآتي: "رأيت رجلا يحمل جثة ملفوفة بالقصب، وقد وازنها على مقدمة سرجه بينما ثبتها خلفه، وكان يمتطي حصانا صغيرا يتمايل تحت ثقلها ونقل الجثامين بهذه الطريقة شائع في المنطقة، إذ تُجلب الجثامين من أماكن بعيدة وقريبة لدفنها في النجف عند مرقد الإمام علي." وتكتسب صورة برستد أهمية خاصة لأنها تقدم دليلا بصريا على استمرار هذه الممارسة حتى بدايات القرن العشرين، كما توضح إحدى وسائل نقل الجثامين، إذ كانت تُلف بالقصب وتُثبت على ظهر الدواب في أثناء الرحلات الطويلة، وهو ما ينسجم مع ما وصفه الرحالة الأوروبيون في العقود السابقة. وتبرز شهادتا ديولافوا وبرستد المكانة الدينية التي احتلتها مدينتا كربلاء والنجف في وجدان المسلمين الشيعة، إذ دفعت أعدادا كبيرة منهم إلى تحمل مشقة السفر الطويل وتكاليفه رغبة في أن يُوارى موتاهم الثرى بجوار العتبات المقدسة. كما تمثل هاتان الشهادتان مصدرين مهمين لفهم أحد المظاهر الاجتماعية في العراق، والذي استمر حتى بدايات القرن العشرين، قبل أن تُحدث السيارات ووسائل النقل الحديثة تحولا جذريا في آليات نقل الجثامين إلى المدن المقدسة.
م.د انغام سليم محمد- م.م عمار محسن الطائي
#جامعة المستقبل -الجامعةالاهلية الاولى في العراق