أدى التطور المتسارع في التكنولوجيا الطبية إلى إحداث تحولات كبيرة في قطاع الرعاية الصحية، إذ أصبحت الأجهزة الطبية الحديثة وأنظمة التشخيص والمعدات المختبرية والبرمجيات الذكية جزءًا أساسيًا من عمل المستشفيات والمؤسسات الصحية. وعلى الرغم من الدور المهم الذي تؤديه هذه التقنيات في تحسين جودة الخدمات الصحية ودقة التشخيص وسرعة تقديم الرعاية، فإن استخدامها المتزايد يرافقه تأثير بيئي يرتبط باستهلاك الطاقة والمياه والمواد الخام، إضافة إلى إنتاج النفايات الطبية والإلكترونية واستخدام بعض المواد الكيميائية. ومن هنا برزت أهمية تقييم الأثر البيئي للتكنولوجيا الطبية بوصفه أحد المتطلبات الأساسية لتحقيق الاستدامة في القطاع الصحي.
يقصد بتقييم الأثر البيئي للتكنولوجيا الطبية دراسة وتحليل التأثيرات البيئية الناتجة عن استخدام الأجهزة والمعدات والتقنيات الصحية خلال مختلف مراحل دورة حياتها، بدءًا من تصنيعها ونقلها وتركيبها وتشغيلها، وصولًا إلى صيانتها والتخلص منها عند انتهاء عمرها التشغيلي. ويساعد هذا التقييم المؤسسات الصحية على تحديد مصادر التأثير البيئي ووضع حلول عملية للحد منها، مع المحافظة في الوقت نفسه على مستوى كفاءة وسلامة الخدمات الطبية المقدمة للمرضى.
ويُعد استهلاك الطاقة أحد أبرز الجوانب التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقييم الأثر البيئي للأجهزة الطبية. فالكثير من المعدات التشخيصية والعلاجية، مثل أجهزة التصوير الطبي وأجهزة المختبرات وأنظمة التبريد والحفظ، تحتاج إلى كميات مستمرة من الطاقة لضمان تشغيلها بكفاءة. ويمكن للمؤسسات الصحية تحليل أنماط استهلاك الطاقة لهذه الأجهزة وتحديد المعدات ذات الكفاءة المنخفضة، ثم استبدالها تدريجيًا بتقنيات أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة أو تحسين آليات تشغيلها وصيانتها، بما يسهم في خفض استهلاك الطاقة وتقليل الانبعاثات المرتبطة بها.
ولا يقتصر الأثر البيئي للتكنولوجيا الطبية على استهلاك الطاقة، بل يشمل أيضًا النفايات الطبية والإلكترونية. فالتطور السريع في الأجهزة الصحية يؤدي إلى استبدال بعض المعدات بصورة متكررة نتيجة ظهور تقنيات أكثر حداثة، الأمر الذي قد يزيد من حجم النفايات الإلكترونية التي تحتوي بعض مكوناتها على مواد تحتاج إلى إدارة ومعالجة آمنة. لذلك، يتطلب تحقيق الاستدامة اعتماد سياسات واضحة لإدارة الأجهزة في نهاية عمرها التشغيلي، وتشجيع إعادة الاستخدام أو إعادة التدوير عندما يكون ذلك ممكنًا وآمنًا، فضلًا عن التخلص السليم من المواد التي لا يمكن إعادة تدويرها.
كما يمثل استخدام المواد الكيميائية والمواد الاستهلاكية في المختبرات والمرافق الصحية جانبًا مهمًا من جوانب التقييم البيئي. إذ يمكن أن يؤدي الاستخدام غير المنظم لهذه المواد أو التخلص منها بطرق غير مناسبة إلى آثار سلبية على البيئة. ولهذا فإن اعتماد أنظمة دقيقة لمراقبة المخزون والاستخدام، وتطبيق إجراءات آمنة للتخزين والنقل والتخلص من المواد، يمكن أن يقلل من المخاطر البيئية ويحسن كفاءة استخدام الموارد.
وفي هذا السياق، يمكن للذكاء الاصطناعي والأنظمة الطبية الذكية أن تؤدي دورًا مهمًا في دعم عملية التقييم البيئي. فمن خلال جمع البيانات المتعلقة باستهلاك الطاقة والمياه والمواد والمستلزمات الطبية، تستطيع الأنظمة الذكية تحليل هذه البيانات واكتشاف أنماط الاستهلاك غير الفعالة. كما يمكن استخدام تقنيات التحليل التنبئي للتنبؤ بالاحتياجات المستقبلية من الموارد، الأمر الذي يساعد المؤسسات الصحية على التخطيط بصورة أفضل وتقليل الهدر.
ويمكن كذلك دمج أنظمة المراقبة الذكية مع أجهزة الاستشعار وإنترنت الأشياء لمتابعة أداء المعدات الطبية واستهلاكها للموارد بصورة مستمرة. وتوفر هذه الأنظمة بيانات آنية يمكن استخدامها لاكتشاف الأعطال أو حالات التشغيل غير الطبيعية، مما يتيح إجراء الصيانة في الوقت المناسب وتقليل استهلاك الطاقة الناتج عن تشغيل أجهزة غير فعالة. كما يمكن أن تسهم الصيانة التنبؤية في إطالة العمر التشغيلي للمعدات وتقليل الحاجة إلى استبدالها بصورة مبكرة.
ويمتد أثر التقييم البيئي أيضًا إلى مرحلة شراء التكنولوجيا الطبية. فاختيار المعدات الصحية لا ينبغي أن يعتمد فقط على السعر والأداء الطبي، وإنما يمكن أن يشمل مجموعة من المعايير البيئية، مثل كفاءة استهلاك الطاقة، العمر التشغيلي، سهولة الصيانة، إمكانية إعادة التدوير، وحجم النفايات الناتجة عن استخدامها. ويساعد اعتماد هذه المعايير في بناء سياسة شراء أكثر استدامة، تحقق التوازن بين المتطلبات الطبية والاعتبارات الاقتصادية والبيئية.
ومن جهة أخرى، يمكن أن يسهم التحول الرقمي في تقليل بعض الآثار البيئية المرتبطة بالإجراءات الصحية والإدارية. فاعتماد السجلات الطبية الإلكترونية والأنظمة الرقمية لإدارة البيانات والاتصالات يمكن أن يقلل الاعتماد على الورق، كما يمكن للاستشارات الطبية عن بُعد والأنظمة الإلكترونية في إدارة المواعيد والملفات أن تقلل بعض الحاجة إلى التنقل، بما يدعم تقليل استهلاك الموارد والانبعاثات المرتبطة بالنقل.
ومع ذلك، فإن تطبيق التكنولوجيا الذكية لتحقيق الاستدامة لا يخلو من تحديات. فالأجهزة الرقمية ومراكز البيانات والأنظمة الذكية نفسها تحتاج إلى الطاقة، كما أن تصنيع المعدات الإلكترونية والتخلص منها قد ينتج عنه آثار بيئية. لذلك، فإن الاستدامة الرقمية لا تتحقق بمجرد استخدام التكنولوجيا، وإنما تتطلب تقييم دورة حياة التقنية بصورة شاملة، واختيار الحلول التي تحقق أفضل توازن بين الفائدة الصحية والتكلفة والأثر البيئي.
إن تقييم الأثر البيئي للتكنولوجيا الطبية يمثل خطوة مهمة نحو بناء مستشفيات أكثر استدامة وكفاءة. فمن خلال قياس استهلاك الموارد، ومراقبة النفايات، وتحسين كفاءة الأجهزة، واعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذكية، يمكن للمؤسسات الصحية تقليل آثارها البيئية دون التأثير في جودة الرعاية الصحية. كما أن دمج المعايير البيئية في قرارات شراء وتشغيل وصيانة المعدات الطبية يساهم في تحقيق استدامة طويلة الأمد.
وفي الختام، فإن مستقبل الرعاية الصحية لا يعتمد فقط على تطوير تقنيات أكثر دقة وذكاءً، بل يتطلب أيضًا تطوير تقنيات أكثر كفاءة ومسؤولية تجاه البيئة. ويشكل تقييم الأثر البيئي للتكنولوجيا الطبية حلقة وصل بين الابتكار الطبي والاستدامة، بما يتيح للمستشفيات تقديم خدمات صحية آمنة وفعالة مع تقليل استهلاك الموارد والحد من النفايات وتعزيز المسؤولية البيئية والاجتماعية. ومن خلال التكامل بين التكنولوجيا الطبية والذكاء الاصطناعي ومبادئ الاستدامة، يمكن بناء منظومة صحية أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة التحديات البيئية المستقبلية.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق.