ا.د حيدر علي الدليمي
تُعد الموازنة العامة للدولة من أهم الأدوات التي تستخدمها الحكومة في توجيه الموارد الاقتصادية وتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وفي العراق، تكتسب الموازنة العامة أهمية خاصة بسبب اعتماد المالية العامة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، الأمر الذي يجعلها أكثر عرضة للتأثر بتقلبات أسعار النفط والإيرادات العامة. ومن هنا، فإن استمرار العجز في الموازنة لا يمثل مجرد مشكلة مالية تتعلق بتوازن الإيرادات والنفقات، وإنما قد يمتد أثره إلى قدرة الدولة على تمويل البرامج والمشروعات المرتبطة بالتنمية المستدامة.
وتبرز أهمية دراسة العلاقة بين العجز في الموازنة العامة وأهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الأهداف الأول والثاني والثامن والثاني عشر، لكون هذه الأهداف ترتبط بصورة مباشرة بمستويات المعيشة، والأمن الغذائي، والنمو الاقتصادي، وكفاءة استخدام الموارد.
أولاً: العجز في الموازنة والهدف الأول: القضاء على الفقر
يرتبط الهدف الأول من أهداف التنمية المستدامة بالقضاء على الفقر بجميع أشكاله. ويؤدي العجز المستمر في الموازنة العامة إلى تقليص المساحة المالية المتاحة للحكومة لتمويل برامج الحماية الاجتماعية، ودعم الفئات محدودة الدخل، وتوفير الخدمات الأساسية وفرص العمل.
وعندما تضطر الحكومة إلى تقليص الإنفاق العام أو إعادة ترتيب أولوياته نتيجة الضغوط المالية، فقد تتأثر الاستثمارات الموجهة إلى قطاعات التعليم والصحة والإسكان والخدمات الأساسية، وهي قطاعات لها دور مباشر في الحد من الفقر وتحسين نوعية الحياة. كما أن ارتفاع معدلات التضخم، في حال تم تمويل العجز بوسائل تؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية، قد يؤدي إلى تراجع القوة الشرائية للأسر، ولا سيما الفئات ذات الدخول المحدودة.
ومن ثم، فإن معالجة العجز المالي لا ينبغي أن تقتصر على تقليص النفقات، بل يجب أن تترافق مع سياسات مالية واقتصادية تستهدف تعزيز النمو وخلق فرص العمل وتحسين كفاءة الإنفاق العام.
ثانياً: العجز في الموازنة والهدف الثاني: القضاء على الجوع وتحقيق الأمن الغذائي
يمثل القضاء على الجوع وتحقيق الأمن الغذائي أحد الأهداف الأساسية للتنمية المستدامة. ويواجه العراق تحديات متعددة في هذا المجال، من بينها محدودية الموارد المائية، والتغيرات المناخية، وضعف الإنتاجية الزراعية، والحاجة إلى تطوير البنية التحتية الزراعية.
وقد يؤدي ارتفاع العجز في الموازنة إلى الحد من قدرة الدولة على توجيه الموارد اللازمة لدعم القطاع الزراعي، وتطوير مشاريع الري، وتحسين الإنتاج الزراعي، وتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز برامج الأمن الغذائي. كما أن انخفاض الإنفاق الاستثماري في القطاع الزراعي يمكن أن يزيد من الاعتماد على الاستيراد، بما يجعل الأمن الغذائي أكثر ارتباطاً بالتقلبات الخارجية وأسعار الغذاء العالمية.
لذلك، فإن تحقيق الهدف الثاني يتطلب النظر إلى الإنفاق الزراعي والغذائي بوصفه استثماراً طويل الأجل في الأمن الاقتصادي والاجتماعي، وليس مجرد بند إنفاق يمكن تقليصه عند حدوث ضغوط مالية.
ثالثاً: العجز في الموازنة والهدف الثامن: العمل اللائق والنمو الاقتصادي
يرتبط الهدف الثامن بتحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل، وتوفير العمل اللائق، ورفع الإنتاجية الاقتصادية. ويُعد هذا الهدف من أكثر الأهداف ارتباطاً بالسياسة المالية، إذ يمكن للموازنة العامة أن تؤدي دوراً مهماً في تحفيز النشاط الاقتصادي من خلال الإنفاق الاستثماري، وتطوير البنية التحتية، ودعم القطاع الخاص، وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
إلا أن ارتفاع العجز المالي قد يحد من قدرة الحكومة على تنفيذ الإنفاق الاستثماري المنتج، خصوصاً عندما تستحوذ النفقات الجارية على نسبة كبيرة من إجمالي الإنفاق العام. كما أن الاعتماد الكبير على التوظيف الحكومي لمعالجة البطالة قد يؤدي إلى زيادة النفقات الجارية دون أن يحقق تحولاً مستداماً في هيكل الاقتصاد.
ومن هنا، فإن معالجة العجز ينبغي أن تتزامن مع إعادة توجيه الإنفاق نحو القطاعات المنتجة، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتنويع مصادر الدخل، بما يسهم في خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة ويقلل من الاعتماد على الإيرادات النفطية.
رابعاً: العجز في الموازنة والهدف الثاني عشر: الاستهلاك والإنتاج المسؤولان
يركز الهدف الثاني عشر على ضمان أنماط مستدامة من الاستهلاك والإنتاج. وتظهر العلاقة بين العجز المالي وهذا الهدف من خلال طبيعة الإنفاق العام وكفاءة استخدام الموارد.
فكلما ارتفعت النفقات غير المنتجة أو استُخدمت الموارد العامة بكفاءة منخفضة، ازدادت الحاجة إلى تمويل إضافي لتغطية الإنفاق، الأمر الذي قد يؤدي إلى تعميق الاختلالات المالية.
وفي المقابل، يمكن للإدارة الرشيدة للموازنة أن تسهم في تعزيز الإنتاج المسؤول من خلال دعم المشاريع التي تستخدم الموارد بكفاءة، وتشجيع الطاقة المتجددة، وتقليل الهدر، وتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي.
كما أن التحول نحو أنماط أكثر استدامة في الإنتاج والاستهلاك يمكن أن يخفف من الضغوط المالية على المدى الطويل، من خلال تقليل الهدر في الموارد وتعزيز الإنتاج المحلي ورفع كفاءة المؤسسات الاقتصادية.
نحو موازنة أكثر استدامة
إن العلاقة بين العجز في الموازنة العامة وأهداف التنمية المستدامة في العراق تكشف أن الاستدامة المالية والاستدامة التنموية وجهان لمشكلة واحدة. فالعجز المالي المستمر قد يحد من قدرة الدولة على تمويل أهداف التنمية، في حين أن ضعف التنمية وتنويع الاقتصاد قد يزيدان من هشاشة الإيرادات العامة ويعمقان مشكلة العجز.
وعليه، فإن مواجهة هذه التحديات تتطلب تبني سياسة مالية أكثر كفاءة، تقوم على تنويع مصادر الإيرادات، وتحسين الإدارة الضريبية، وترشيد النفقات العامة، وزيادة الإنفاق الاستثماري المنتج، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وربط تخصيصات الموازنة بمؤشرات واضحة للأداء والتنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، فإن تحقيق الأهداف الأول والثاني والثامن والثاني عشر لا يتطلب فقط زيادة حجم الإنفاق العام، وإنما يتطلب قبل ذلك رفع كفاءة هذا الإنفاق وتوجيهه نحو الأولويات التنموية الحقيقية. فالموازنة العامة المستدامة هي التي تستطيع تحقيق التوازن بين الاستقرار المالي من جهة، وتوفير الموارد اللازمة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية من جهة أخرى.
وبذلك، يصبح إصلاح الموازنة العامة في العراق خطوة أساسية ليس لمعالجة العجز المالي فحسب، بل لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على تحقيق أهداف التنمية المستدامة بصورة متوازنة ومستدامة