النضج الرقمي التكيفي لاتخاذ القرار الإداري في البيئات الهجينة
03 آب 2026
227 مشاهدة
تشهد الممارسات الأدارية المعاصرة تحولاً متسارعاً بفعل التقدم الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة الذكية، الأمر الذي أعاد تشكيل آليات اتخاذ القرار داخل المؤسسات. فلم يعد التساؤل الرئيس يدور حول إمكانية توظيف هذه التقنيات، بل أصبح يتمحور حول تحديد الوظائف التي ينبغي أتمتتها، والدرجة المناسبة لتفويض الأنظمة الذكية في اتخاذ القرار، بما يحقق التوازن بين الكفاءة التقنية والمسؤولية الإدارية.
وفي ظل هذا التحول، يبرز نموذج النضج الرقمي التكيفي لاتخاذ القرار الإداري في البيئات الهجينة (ADM-HDM) بوصفه إطاراً نظرياً أصيلاً يفسر المسار التدريجي الذي تسلكه المؤسسات في انتقالها من الاعتماد الكامل على العنصر البشري إلى مرحلة التكامل المتقدم بين الإنسان والآلة. ويقدم النموذج رؤية تتجاوز مفهوم التحول الرقمي باعتباره مجرد تبنٍ للتكنولوجيا، ليصبح تحولاً في الوعي المؤسسي بكيفية توزيع المهام والمسؤوليات بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي.
ينتمي النموذج إلى المدرسة الاجتماعية–التقنية (Socio-Technical Systems)، إذ يجمع بين الأبعاد التقنية والتنظيمية والفلسفية في إطار مفاهيمي متكامل، مستنداً إلى ثلاثة مرتكزات نظرية رئيسة. يتمثل المرتكز الأول في نموذج باراسورامان وشيريدان وويكنز (2000)، الذي يحدد أربع وظائف رئيسة قابلة للأتمتة تتمثل في اكتساب المعلومات، وتحليلها، واختيار القرار، وتنفيذ الإجراء، موزعة على عشرة مستويات من التفويض تبدأ بالعمل اليدوي الكامل وتنتهي بالاستقلالية الكاملة للأنظمة الذكية.
أما المرتكز الثاني فيتمثل في إطار التكنولوجيا–المؤسسة–البيئة (TOE)، الذي يفسر انتقال المؤسسات بين مستويات النضج الرقمي من خلال ثلاثة سياقات مترابطة هي: السياق التقني، والسياق التنظيمي، والسياق البيئي. ويستخدم النموذج هذا الإطار ليس لتفسير قرار تبني التكنولوجيا فحسب، وإنما لتفسير الانتقال المرحلي الذي تمر به المؤسسة خلال رحلة التحول الرقمي.
ويرتكز النموذج كذلك على نظرية العقلانية المحدودة التي قدمها هربرت سايمون عام 1947، والتي تؤكد أن الإنسان، بحكم محدودية قدراته الإدراكية والمعلومات المتاحة له، غالباً ما يتخذ قرارات “مرضية” بدلاً من القرارات “المثلى”. ومن هذا المنطلق، تصبح الأتمتة الذكية وسيلة لتوسيع نطاق العقلانية المؤسسية، من خلال دعم متخذ القرار بالمعلومات والتحليلات التي تساعده على الوصول إلى قرارات أكثر دقة وكفاءة.
وتتمثل القيمة العلمية للنموذج في نقل مفهوم مستويات الأتمتة من كونه إطاراً يصف العلاقة بين فرد ونظام آلي إلى نموذج يفسر نضج المؤسسة بأكملها عبر الزمن. كما يعيد توظيف إطار التكنولوجيا–المؤسسة–البيئة ليصبح أداة لتفسير التحول التدريجي للمؤسسات، مع تقديم تأصيل فلسفي يربط الحاجة إلى الأتمتة بالرغبة في تجاوز القيود الإدراكية التي تواجه صناع القرار.
ويبين النموذج أن انتقال المؤسسات بين مراحل النضج يعتمد على مجموعة من المحركات الأساسية. فالبنية التحتية التقنية تمثل الشرط الأول لبدء التحول الرقمي، لأنها توفر البيئة اللازمة لرقمنة البيانات والعمليات. في المقابل، تؤدي الثقافة التنظيمية دوراً محورياً في تحديد سرعة الانتقال بين مراحل النضج، إذ قد تؤدي مقاومة التغيير إلى إبطاء عملية التحول حتى مع توفر التقنيات الحديثة.
كما يمثل التدريب وتنمية الكفاءات الرقمية عاملاً أساسياً للوصول إلى مرحلة التكامل الفعلي بين الإنسان والآلة، إذ يضمن قدرة العاملين على الإشراف على الأنظمة الذكية وإدارة مخرجاتها بكفاءة. وفي الوقت نفسه، يشكل الضغط التنافسي الخارجي دافعاً مستمراً يدفع المؤسسات إلى تسريع تحولها الرقمي للحفاظ على قدرتها التنافسية ومواكبة المتغيرات في بيئة الأعمال.
ويكشف النموذج أن البعد التنظيمي، ممثلاً في الثقافة المؤسسية والكفاءات البشرية، هو الأكثر تأثيراً وتعقيداً، لأنه يمثل الحلقة التي تربط بين الإمكانات التقنية والتطبيق العملي داخل المؤسسة، وهو ما يجعل نجاح التحول الرقمي مرتبطاً بالإنسان بقدر ارتباطه بالتكنولوجيا.
ومن الناحية التطبيقية، يقدم النموذج مجموعة من الاستخدامات المهمة، إذ يمكن الاستفادة منه في تشخيص مستوى النضج الرقمي للمؤسسات، وتحديد المرحلة التي وصلت إليها في رحلة التحول الرقمي، فضلاً عن توجيه الاستثمارات نحو الأبعاد الأكثر تأثيراً في تسريع هذا التحول، سواء كانت تقنية أم تنظيمية أم بيئية. كما يمثل النموذج أساساً علمياً لتطوير أدوات قياس كمية، مثل الاستبانات المعيارية، التي يمكن استخدامها لتقييم مستوى النضج الرقمي بصورة موضوعية.
وعلى الرغم من القيمة العلمية للنموذج، فإنه يظل إطاراً مفاهيمياً يحتاج إلى اختبارات ميدانية واسعة للتحقق من ثبات مراحله وإمكانية تطبيقه في بيئات تنظيمية مختلفة. كما يفترض النموذج قدراً من الاتساق بين السلوك الفردي والسلوك المؤسسي، وهو افتراض قد لا ينطبق بصورة كاملة في جميع المؤسسات، فضلاً عن وجود تفاعلات متشابكة بين أبعاد التكنولوجيا والتنظيم والبيئة قد تجعل مسارات التحول أكثر ديناميكية وأقل خطية مما يفترضه النموذج.
وانطلاقاً من ذلك، يقترح تطوير أداة قياس معيارية تستند إلى مؤشرات النموذج لقياس مستوى النضج الرقمي في المؤسسات، إلى جانب إجراء دراسات ميدانية مقارنة على عينات متنوعة من المؤسسات الإدارية للتحقق من مدى انطباق مراحل النضج ومحركاتها على الواقع العملي، بما يسهم في تطوير النموذج وتعزيز قدرته التفسيرية.
وفي الختام، يقدم نموذج ADM-HDM رؤية علمية متكاملة لفهم التحول الرقمي في المؤسسات الإدارية، ويؤكد أن مستقبل اتخاذ القرار لن يقوم على استبدال الإنسان بالآلة، وإنما على بناء علاقة تكاملية بينهما، توظف قدرات الذكاء الاصطناعي في دعم الخبرة البشرية، بما يؤدي إلى قرارات أكثر دقة ومرونة واستدامة، ويعزز قدرة المؤسسات على مواجهة تحديات البيئة الإدارية المتغيرة وتحقيق التميز المؤسسي
م.م. مصطفى عدنان مدلول البكري