ليست النصوص المكتوبة أو المقروءة سوى واجهات طافية على سطح شاسع من المعاني؛ فالكلمة في تشكلها الظاهر لا تمثل سوى قمة الجبل الجليدي، بينما يستقر ثقل المعنى التداولي وأغلب حمولته الدلالية تحت سطح اللفظ صامتاً ومستتراً، إن الفعل اللغوي ليس مجرد نطق لألفاظ ذات مطابقة معجمية صارمة، بل هو ممارسة حوارية مركبة تتجاوز التقرير المباشر إلى فضاءات القصد والإيحاء. فعندما ينطق المتكلم بجملة بسيطة مثل: "سيكون الطقس حسناً غداً"، فإن السطح التركيبي للجملة يشي بالإخبار الجوي المجرد، غير أن بنية القصد (Intentionality) تتسع لعشرات الاحتمالات التداولية: فقد تكون البُشرى بانقضاء أنواء الطقس السيئ، أو شفرة انطلاق لرحلة سياحية متفق عليها، أو حتى دعوة مضمرة للمصالحة أو الخروج من عزلة، وهنا تبرز الإشكالية التأويلية المركزية: كيف ينجح المتلقي (المُخاطَب) في إلغاء شتات الاحتمالات التأويلية، وترشيح معنًى محددٍ واحدٍ بوصفه القصد الأصيل للمتكلم؟
في الحالات الاعتيادية، يعتمد الترشيح التأويلي على ما يمكن تسميته بـ "العهد السابقي" أو الخفي بين أطراف الخطاب، وهو الرصيد المعرفي والتاريخ الحواري المباشر المتداول في أحاديثهم الأخيرة، يتقاطع هذا التفصيل مع ما طرحه الفيلسوف بول غرايس (Paul Grice) في نظريته الشهيرة حول "المستلزمات الحوارية" (Conversational Implicatures)؛ إذ يرى غرايس أن التواصل لا يخضع للمطابقة اللفظية بقدر ما يخضع لـ "مبدأ التعاون" (Cooperative Principle)، حيث يتوقع المتلقي أن المتكلم يحترم قضايا الكيف، والكم، والملاءمة، والأسلوب. بناءً على هذا العهد، يقرأ المتلقي المسكوت عنه من خلال استلزام القصد، متجاوزاً المعنى الحرفي إلى المعنى التداولي الواجب إدراكه.
لكن السؤال الأهم والأشد عمقاً يبرز حين ينتفي هذا العهد الحواري المباشر؛ لو لم يكن بين المتكلم والمتلقي حديث سابق أو ذاكرة مشتركة، فما الذي يدفع ذهن المتلقي لترشيح معنى بذاته وإزاحة بقية الاحتمالات؟
إن الجواب القاطع يسكن في مفهوم "السياق التداولي واستعمالات التركيب" داخل الجماعة اللغوية، وهو ما يُخرج الكلمة من ثباتها المعجمي إلى حركيتهاالاجتماعية، فالألفاظ لا تستمد طاقتها التأويلية الأولى من المعاجم المغلقة، بل من الاستعمال الحي المتبادل (Language Games) وفق تعبير الفيلسوف لودفيغفيتغنشتاين (Ludwig Wittgenstein) في كتابه تحقيقات فلسفية، حيث يؤكد مقولته التأسيسية:
"معنى الكلمة هو استخدامها في اللغة" أي تداولها بين مجموعة المتكلمين
حين ننتقل من المستوى المعجمي إلى المستوى الاجتماعي، نجد أن الاستعمال المشترك يفرض قوالب دلالية حية ترشح المعنى الأول تلقائياً في ذهن المستمع، ويظهر هذا بوضوح في الأمثلة العامية والتداولية؛ فعندما يُقال في الدارجة المتداولة: "فلان حديقة"، فإن الذهن لا يتجه مطلقاً إلى المعنى المعجمي القاموسي للحديقة بوصفها مساحة خضراء مزروعة بالأشجار والزهور، بل يذهب فوراً ولحظياً إلى المعنى الكنائي المتمثل في "الإفلاس والعدم".
هذا الوعي الفائق بما لم يقله النص صراحة ليس حديثاً في الفكر اللغوي، بل هو جوهر البلاغة العربية القديمة،فقد أدرك عبد القاهر الجرجاني في كتابه الفذ دلائل الإعجاز أن المعنى لا يتجلى في الألفاظ المفردة بل في "النظم"، محذراً من الوقوف عند ظاهر اللفظ دون النفوذ إلى غرضه، وهو ما عبر عنه بمفهوم "معنى المعنى"؛ إذ يقول الجرجاني: "ومعنى (معنى المعنى) أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يؤديك ذلك المعنى إلى معنى آخر"، فالمتلقي الحاذق عند الجرجاني لا يقف عند "المعنى الأول" (السطح التركيبي للجملة)، بل يتخذه جسراً للعبور إلى "معنى المعنى" (القصد التداولي المستتر).
كما يتقاطع هذا الطرح مع أدبيات سيميائيات التلقي عند أومبرتو إيكو (Umberto Eco) في كتابه النص المفتوح، حيث يشير إلى أن النص عبارة عن "آلة كسولة" تطالب قارئها بملء الفراغات وتحيين المسكوت عنه (Unsaid) فالنص لا يستطيع قول كل شيء، بل يعتمد على "الكفاءة الموسوعية" (Encyclopedic Competence) التي يمتلكها القارئ؛ وهي المعرفة المسبقة بالسياقات الثقافية والاجتماعية والتركيبية التي تسمح له بترشيح المعنى الأكثر ملاءمة واتساقاً مع لحظة التلقي.
إن ما لا يقوله النص صراحة هو الجزء الأكثر حيوية وإشراقاً في العملية التواصلية. فالكلمات ليست سوى علامات إرشادية تنير الطريق نحو قصد المتكلم، بينما يتكفل السياق، والتداول الاجتماعي، وموسوعية المتلقي المعرفية بعملية ترشيح المعنى واختياره من بين ركام الاحتمالات. إن عملية التواصل الإنساني ليست مجرد شفرة تُفك بمجمعات المعاجم، بل هي فعل هرمينوطيقي(تأويلي) حي يتغذى على العُرف الاجتماعي، والخبرة التداولية، وذكاء المتلقي في التقاط المعنى الثاوي خلف حجاب الألفاظ.