أ.د حيدر علي الدليمي
كلية العلوم الإدارية - جامعة المستقبل
لم تعد التنمية المستدامة مفهوماً يرتبط بالنمو الاقتصادي وحده، بل أصبحت إطاراً متكاملاً لإدارة الموارد وتحقيق التوازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، بما يضمن تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بحقوق الأجيال القادمة. وفي هذا السياق، تمثل أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر التي أقرتها الأمم المتحدة عام 2015 رؤية عالمية لبناء اقتصادات أكثر كفاءة، ومجتمعات أكثر عدالة، ومؤسسات أكثر شفافية وقدرة على الاستجابة للتحديات.
غير أن تحقيق هذه الأهداف لا يعتمد على توافر الموارد المالية والبشرية فحسب، وإنما يرتبط بدرجة كبيرة بسلامة البيئة المؤسسية وكفاءة إدارة الموارد العامة. ومن هنا يبرز الفساد المالي بوصفه أحد أخطر المعوقات التي يمكن أن تعرقل مسارات التنمية المستدامة، لأنه لا يمثل مجرد مخالفة مالية أو انحرافاً في استخدام المال العام، بل قد يتحول إلى ظاهرة مؤسسية تستنزف الموارد، وتضعف الثقة بالمؤسسات، وتشوه أولويات الإنفاق والاستثمار.
الفساد المالي.. أكثر من مجرد هدر للمال العام
يمكن النظر إلى الفساد المالي باعتباره استخداماً غير مشروع أو غير أخلاقي للموارد والصلاحيات المالية لتحقيق منافع خاصة على حساب المصلحة العامة. وتتخذ هذه الممارسات صوراً متعددة، من بينها الرشوة، والاختلاس، والتلاعب في العقود والمناقصات، والمحسوبية في تخصيص الموارد، وتضخيم الكلف، والتهرب من الرقابة، وإساءة استخدام المال العام.
وتكمن خطورة هذه الممارسات في أن آثارها لا تتوقف عند قيمة الأموال التي تم فقدانها بصورة مباشرة، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ إن الدينار الذي يهدر نتيجة الفساد لا يمثل خسارة مالية فحسب، وإنما يمثل أيضاً مدرسة أو مستشفى أو طريقاً أو فرصة عمل أو مشروعاً تنموياً كان من الممكن تمويله بذلك المورد.
وبعبارة أخرى، فإن الكلفة الحقيقية للفساد المالي تتمثل ليس فقط فيما يُسرق، وإنما فيما يُحرم المجتمع من تحقيقه نتيجة سرقة الموارد أو سوء استخدامها.
الفساد وإضعاف القدرة على تحقيق أهداف التنمية المستدامة
تقوم أهداف التنمية المستدامة على الترابط والتكامل؛ فالقضاء على الفقر يرتبط بتحسين التعليم والصحة، وتوفير العمل اللائق يرتبط بالنمو الاقتصادي، وتحقيق الأمن الغذائي يرتبط بالاستثمار في الزراعة والبنية التحتية، بينما تتطلب جميع هذه الأهداف مؤسسات قوية وشفافة وقادرة على إدارة الموارد بكفاءة.
وهنا يظهر الفساد المالي كعامل قادر على إضعاف عدد كبير من هذه الأهداف في الوقت نفسه.
فعندما يتم توجيه الموارد العامة وفق اعتبارات غير اقتصادية أو غير عادلة، قد تصل الأموال إلى مشروعات أقل أهمية، بينما تحرم قطاعات حيوية من التمويل اللازم. وعندما تتعرض العقود الحكومية للتلاعب، ترتفع كلفة المشاريع وتنخفض جودتها، وقد تتراجع قدرة الدولة على تنفيذ مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة في الوقت والكلفة والجودة المطلوبة.
كما أن الفساد يخلق بيئة اقتصادية غير متكافئة، إذ تصبح فرص النجاح مرتبطة أحياناً بالقدرة على الوصول إلى مراكز النفوذ بدلاً من الكفاءة والابتكار والإنتاجية. وهذا يؤدي إلى إضعاف المنافسة، وتراجع الاستثمار، وارتفاع تكاليف ممارسة الأعمال، بما ينعكس سلباً على النمو الاقتصادي وفرص العمل.
البعد الاقتصادي للفساد
تحتاج التنمية المستدامة إلى اقتصاد قادر على تحقيق النمو بصورة مستمرة وشاملة، إلا أن الفساد المالي يؤدي إلى تشويه عملية تخصيص الموارد. فعوضاً عن توجيه رأس المال إلى المشاريع الأكثر إنتاجية وعائداً للمجتمع، قد تتجه الموارد نحو المشاريع التي توفر فرصاً أكبر لتحقيق منافع خاصة.
ويترتب على ذلك انخفاض كفاءة الاستثمار العام والخاص، وارتفاع كلفة المشاريع، وتراجع الإنتاجية، وإضعاف قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
كما أن عدم تكافؤ الفرص الناجم عن الفساد يمكن أن يضعف القطاع الخاص، خصوصاً عندما تشعر الشركات بأن المنافسة لا تقوم على أساس الكفاءة والسعر والجودة، وإنما على أساس العلاقات والنفوذ. وفي الأجل الطويل، يؤدي ذلك إلى اقتصاد أقل تنافسية وأقل قدرة على خلق فرص العمل وتحقيق النمو المستدام.
الفساد والفقر وعدم المساواة
من أكثر الآثار الاجتماعية خطورة للفساد المالي تأثيره في الفقر وعدم المساواة. فالموارد العامة يفترض أن تُستخدم لتوفير الخدمات الأساسية وتحسين نوعية حياة المواطنين، ولا سيما الفئات الأقل دخلاً والأكثر هشاشة.
لكن عندما تتعرض هذه الموارد للهدر أو الاختلاس أو سوء التخصيص، تتراجع قدرة الدولة على تمويل برامج الحماية الاجتماعية، وتحسين التعليم والصحة، وتطوير البنية التحتية، وتوفير الخدمات الأساسية.
ومن ثم، يمكن أن يتحول الفساد إلى آلية لإعادة توزيع غير عادلة للموارد؛ إذ تنتقل المنافع من المجال العام إلى مجموعات محدودة، بينما تتحمل الأغلبية تكلفة هذا الانحراف من خلال انخفاض جودة الخدمات وارتفاع الكلف الاقتصادية والاجتماعية.
الفساد والبيئة والتنمية المستدامة
لا تقتصر آثار الفساد على الجوانب المالية والاقتصادية والاجتماعية، بل يمكن أن تمتد إلى البعد البيئي أيضاً. فضعف الرقابة الناتج عن الفساد قد يسمح بتجاوز المعايير البيئية أو تنفيذ مشاريع لا تراعي متطلبات الاستدامة، أو سوء إدارة الموارد الطبيعية.
وعندما يتم اتخاذ القرارات المتعلقة بالمشاريع والاستثمارات بعيداً عن معايير الكفاءة والاستدامة، فقد تتحول الموارد الطبيعية إلى مصدر للاستنزاف بدلاً من أن تكون أساساً لتنمية طويلة الأجل.
لذلك، فإن مكافحة الفساد تمثل جزءاً مهماً من حماية الموارد الطبيعية وضمان استخدامها بطريقة تحقق مصالح المجتمع الحالي وتحافظ على حقوق الأجيال القادمة.
الفساد يقوّض الثقة بالمؤسسات
من أخطر النتائج غير المباشرة للفساد المالي تراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة. فالتنمية المستدامة تحتاج إلى مؤسسات تحظى بالثقة، وتعمل وفق قواعد واضحة، وتخضع للمساءلة والرقابة.
وعندما يعتقد المواطن أن الموارد العامة لا تدار بعدالة وكفاءة، أو أن الوصول إلى الحقوق والخدمات يتطلب علاقات أو منافع غير مشروعة، فإن الثقة بالمؤسسات تتراجع، وقد يؤدي ذلك إلى ضعف الالتزام بالقوانين والأنظمة، واتساع الفجوة بين المجتمع والمؤسسات العامة.
ومن هنا فإن مكافحة الفساد ليست مجرد عملية رقابية تهدف إلى اكتشاف المخالفات، بل هي أيضاً استثمار في بناء الثقة المؤسسية وتعزيز شرعية السياسات العامة.
الحوكمة الرشيدة بوصفها خط الدفاع الأول
تتطلب مواجهة الفساد المالي الانتقال من التركيز على معالجة المخالفات بعد وقوعها إلى بناء منظومة مؤسسية تمنع حدوثها أو تقلل فرص وقوعها. ويأتي في مقدمة هذه المنظومة تعزيز الحوكمة الرشيدة، من خلال الشفافية، والمساءلة، والاستقلالية الرقابية، وتضارب المصالح، والإفصاح المالي، وتطوير أنظمة المشتريات الحكومية، والتحول الرقمي في إدارة الموارد العامة.
كما أن الرقمنة يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في تقليل المساحات التي تسمح بالتلاعب، من خلال أتمتة الإجراءات، وتوثيق المعاملات، وإتاحة البيانات، وتقليل التعاملات التي تعتمد على التدخل البشري المباشر.
غير أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي؛ إذ ينبغي أن تترافق مع تشريعات فعالة، وأجهزة رقابية مستقلة، وقضاء قادر على إنفاذ القانون، وثقافة مؤسسية تضع النزاهة في صميم عملية صنع القرار.
من مكافحة الفساد إلى استدامة التنمية
إن العلاقة بين مكافحة الفساد والتنمية المستدامة علاقة متبادلة؛ فكلما ارتفعت كفاءة المؤسسات وقلت فرص الفساد، ازدادت قدرة الدولة والمجتمع على توجيه الموارد نحو الأولويات التنموية. وفي المقابل، فإن التنمية التي تقوم على مؤسسات ضعيفة وموارد مهدرة تظل عرضة للتعثر مهما كانت الموارد المتاحة.
وعليه، ينبغي النظر إلى مكافحة الفساد باعتبارها سياسة تنموية وليست مجرد سياسة رقابية. فكل مورد يتم الحفاظ عليه من الهدر يمكن أن يتحول إلى استثمار في التعليم أو الصحة أو البنية التحتية أو فرص العمل أو حماية البيئة.
إن تحقيق أهداف التنمية المستدامة يتطلب أكثر من الخطط والاستراتيجيات وتخصيص الموارد؛ فهو يحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارة هذه الموارد بنزاهة وكفاءة وعدالة. والفساد المالي، بما يسببه من هدر للموارد وتشويه للأولويات وإضعاف للاستثمار وتوسيع للفجوات الاجتماعية وتقويض للثقة بالمؤسسات، يمثل أحد أبرز التحديات أمام تحقيق هذه الغاية.
لذلك، فإن بناء اقتصاد مستدام ومجتمع أكثر عدالة لا يمكن أن ينفصل عن بناء مؤسسات أكثر نزاهة وشفافية. فـمكافحة الفساد ليست هدفاً منفصلاً عن التنمية المستدامة، وإنما شرط أساسي لنجاحها؛ وكلما نجحت الدول في حماية مواردها العامة من الهدر والفساد، ازدادت قدرتها على تحويل تلك الموارد إلى تنمية حقيقية ومستدامة تعود فوائدها على المجتمع والأجيال القادمة.
وفي الحالة العراقية على وجه الخصوص، تزداد أهمية هذا المسار في ظل الحاجة إلى تعظيم كفاءة استخدام الموارد العامة، وتنويع الاقتصاد، وتحسين الخدمات، وخلق فرص العمل، وتعزيز الاستثمار؛ وهي أهداف لن تتحقق بالموارد وحدها، بل تحتاج قبل ذلك إلى إدارة رشيدة للموارد، ومؤسسات قوية، ورقابة فعالة، وثقافة مجتمعية ومؤسسية رافضة للفساد.