شهدت تقنيات الذكاء الاصطناعي تطوراً متسارعاً أسهم في إدخالها إلى نطاق العمل الوظيفي والإداري، ولا سيما في المؤسسات العامة، لما توفره من كفاءة في معالجة البيانات واتخاذ القرار. غير أن هذا التطور أفرز أنماطاً جديدة من السلوكيات غير المشروعة، تمثلت في إساءة استعمال هذه التقنيات من قبل بعض الموظفين، الأمر الذي أوجد تحديات قانونية جدية في مجال المسؤولية الجنائية, يتناول هذا البحث المسؤولية الجنائية للموظف العام عن إساءة استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي، من خلال تحليل أركان الجريمة الجنائية وإمكانية انطباقها على الأفعال المرتكبة باستخدام الأنظمة الذكية. ويستند البحث إلى المنهج التحليلي، عبر دراسة النصوص القانونية ذات الصلة، وبيان مدى كفايتها في مواجهة هذا النوع المستحدث من الجرائم. وتتحقق المسؤولية الجنائية للموظف متى ما توافرت الأركان القانونية للجريمة، إذ يتمثل الركن الشرعي بوجود نص يجرّم الفعل، سواء في قانون العقوبات أو القوانين الخاصة المتعلقة بالجرائم المعلوماتية وحماية البيانات. أما الركن المادي فيقوم على السلوك الإجرامي المتمثل في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي استخداماً غير مشروع، كالتلاعب بالبيانات الرسمية، أو تزوير المعلومات، أو انتهاك الخصوصية، أو استغلال الأنظمة الذكية لتحقيق منفعة شخصية أو الإضرار بالغير، مع تحقق نتيجة إجرامية وعلاقة سببية بين السلوك والنتيجة, ويقوم الركن المعنوي غالباً على القصد الجنائي، المتمثل بعلم الموظف بعدم مشروعية فعله واتجاه إرادته إلى ارتكابه، وقد تقوم المسؤولية أيضاً على أساس الخطأ غير العمدي في حال الإهمال أو التقصير، متى ما نص القانون. ويخلص البحث إلى أن التشريع العراقي، رغم عدم تنظيمه الصريح لجرائم إساءة استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي، يتيح إمكانية التكييف القانوني لهذه الأفعال بالاستناد إلى القواعد العامة في قانون العقوبات والقوانين المكملة، مع التأكيد على ضرورة تطوير تشريعات خاصة تواكب التحول الرقمي، وتضع ضوابط واضحة لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الوظيفة العامة، بما يضمن حماية الحقوق وتحقيق العدالة الجنائية.