يتناول هذا البحث التحولات التي يشهدها عقد الاستشارة الهندسية في ظل التفاعل المتنامي بين التفكير الإنساني وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وما يثيره ذلك من إشكاليات قانونية وفلسفية تمس طبيعة الالتزام العقدي، ومعيار العناية المهنية، وأسس المسؤولية المدنية. وينطلق البحث من اعتبار عقد الاستشارة الهندسية من عقود الخدمات الذهنية القائمة على نتاج العقل والخبرة الفنية، الأمر الذي يجعله من أكثر العقود تأثرًا بالتطورات التقنية المعاصرة. وتكمن إشكالية البحث في مدى تأثير الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الدور التقليدي للمهندس الاستشاري، وحدود الاعتماد المشروع على الأدوات الذكية في اتخاذ القرار الفني، وما إذا كان هذا الاعتماد يُعد مجرد وسيلة تنفيذ للالتزام، أم عنصرًا مؤثرًا في تكوين الإرادة العقدية ذاتها. ويُبرز البحث أن التطور التقني، رغم ما يوفره من دقة في التحليل والتخطيط والتنبؤ بالمخاطر، لا يؤدي إلى انتقاص الدور الإنساني للمهندس الاستشاري، بل يفرض إعادة ضبط معيار العناية المهنية بما ينسجم مع طبيعة العقد وأهدافه، دون الإخلال بالحماية القانونية المقررة للمصلحة العامة، ولا سيما في إطار المسؤولية العقدية والضمان العشري المقرر قانونًا عن عيوب البناء والإخلال بالالتزامات الجوهرية.