تشكل البيانات الشخصية في عصرنا الحالي "الذهب الأسود للقرن الحادي والعشرين"، إذ تعد المادة الخام والأساسية التي تقوم وتنهض عليها العمليات الرقمية والذكاء الاصطناعي وفي ظل ارتفاع وتصاعد وتيرة التدفق الرقمي العابر للخطوط الجغرافية الدولية ومدى اتساعه وتطوره السريع يواجه العالم المعاصر تحولاً دراماتيكياً في تعاملات المجتمعات وانتقاله من الأشياء المادية الملموسة إلى تعاملات بيانيه رقمية برمجية. لذا باتت هذه البيانات معرضة لانتهاكات جسيمة تختلف طرق وقوعها وغايات استخدامها إذ لم تعد تشكل مجرد أرقام برمجية مخزنة، بل أصبحت تشكل اليوم كياناً رقمياً للإنسان وامتداداً أصيلا لكرامته وحرمة حياته الخاصة، وفي هذا الواقع المتطور من 'التدفق الرقمي' (Digital Flow) العابر للحدود، تكمن وتبرز إشكالية قانونية وجنائية في غاية التعقيد تتجسد بمدى صمود وفعالية القواعد الجنائية التقليدية (ستينيات القرن الماضي) أمام هجمات هذه 'السيولة الرقمية' " واتساع رقعة وقوعها. فالنظام القانوني العراقي الجنائي، كغيره من النظم القانونية العريقة، يجد وضعه القانوني اليوم أمام اختبار حقيقي لمبادئه الكلاسيكية، فمبدأ 'شرعية الجرائم والعقوبات' يصطدم بظواهر جرمية مستحدثة لا تترك أثراً ووقعاً مادياً، بل تترك ندوباً في التعاملات الافتراضية الرقمية ، كذلك لجوء واستخدام القضاء عنصري "القياس" أو "التوسع في التفسير" –وهما أمران يحضر استخدامها في التجريم– في محاولة منه لسد عجز تلك النصوص الجزائية التي صيغت وبنيت في الستينيات (مثل نصوص سرقة الأشياء المادية أو إفشاء الأسرار المهنية) على جرائم تقع في بيئة افتراضية، مما يؤدي إلى إفلات الجناة من العقاب أو صدور أحكام لا تتناسب مع جسامة الضرر. وبينما تتسارع العجلة التشريعية لدى الدول المتقدمة في تبني أطر تشريعية شاملة لحماية البيانات، لا يزال المشرع العراقي يعتمد على نصوص 'توفيقية' موزعة في قانون العقوبات لسنة 1969، وهي نصوص صيغت لعالم لم يكن يعرف 'البيانات الكبيرة' أو 'الذكاء الاصطناعي'." فالجمود التشريعي في العراق شكل ازمه بالغة التعقيد وخطرة للغاية تتجسد في الفشل بتحويل هذه "البيانات" من مجرد أرقام برمجية إلى "مصلحة قانونية محمية" بجزاء جنائي خاص ومستقل. يهدف هذا البحث إلى تأصيل الحماية الجنائية لهذه البيانات في ضوء التشريع العراقي مع التشريعات المقارنة.