يتجاوز عنوان لوحة «الأسيرات» للفنانة العراقية بان الجنابي حدود التوصيف المباشر لحالة الأسر وسلب الحرية، ليغدو أيقونة رمزية تعكس التوق الإنساني الأزلي إلى الانعتاق، وتحرير الروح من قيود الجسد، والوعي من عتمة اللاشعور عبر الفن والتسامي الروحي. فالعنوان يحمل في بنيته الدلالية صرخة صامتة تدعو إلى التطهير المعنوي والسمو الإنساني، والبحث عن العزاء في الفن والجمال بوصفهما وسيلتين لتجاوز مأساوية الوجود المقيد. وبهذا المنحى، لا تظهر النساء في تجربة الفنانة بوصفهن ضحايا لقهر اجتماعي أو سياسي فحسب، بل يتحولن إلى رموز كونية للنفس الإنسانية المغتربة، التي تكافح من أجل التحرر من زنزانة المادة واستعادة أفقها الروحي.
تتمحور البنية البصرية للعمل حول حضور المرأة وهي تسدد السهم نحو الأعلى، في إشارة تشكيلية ذات أبعاد رمزية متعددة، تتصل بالطموح إلى الحرية والاستقلال، والرغبة في تجاوز القيود والحدود الزمانية والمكانية. ويكتسب القوس والسهم دلالات تتجاوز وظيفتهما المادية، إذ يرمزان إلى الإرادة والتحدي والسيطرة على الانفعالات، فضلاً عن الحركة والانطلاق والاستعداد لمواجهة التوتر. كما يحمل اتجاه السهم نحو الأعلى إيحاءً بالتسامي والنور والارتقاء الروحي، إلى جانب الدقة والحسم في اتخاذ القرار بعيداً عن الخضوع والاستسلام.
وفي هذا السياق، تستحضر الفنانة تناصاً أسطورياً مع شخصية الإلهة الرومانية ديانا، المعروفة في الميثولوجيا اليونانية باسم أرتميس، بوصفها رمزاً لاستقلال المرأة وقوتها وقدرتها على السيطرة على الطبيعة. ويمنح هذا الاستحضار العمل بعداً أسطورياً يربط الذات الأنثوية بالطاقة الكونية، ويؤكد تطلعها إلى تجاوز الحدود المادية نحو فضاءات أرحب من الحرية والوجود.
وعلى المستوى اللوني، تحقق الفنانة إيقاعاً بصرياً قائماً على تداخل الألوان وتفاعلها، بما يخلق حالة من التموج والحركة الديناميكية التي تقود عين المتلقي بين مفردات اللوحة بسلاسة. ويؤدي اللون الأزرق دوراً بنائياً مهماً من خلال تحوله إلى كتل لونية تحدد الأشكال والأعماق، وتؤسس لعلاقات بصرية تتحرر من محاكاة الواقع المباشر. كما يسهم التباين بين الألوان المتجاورة والمكملة في توليد اهتزازات بصرية وإيحاء بالحركة، في حين يمنح اللونان الأصفر والبرتقالي التكوين طاقة إشراقية وديناميكية تكسر الجمود وتحقق التوازن البصري.
وتتجلى قدرة الفنانة التعبيرية في توظيف الخطوط والألوان والأشكال الهندسية الدائرية المتداخلة للكشف عن حالات القلق والاضطراب النفسي. فالوجوه التي تظهر بملامح غامضة تختزن ثقلاً من المعاناة الداخلية، فيما يشير إخفاء بعض ملامح النساء المشاركات في التكوين الدائري إلى الفقدان والهزيمة واغتراب الذات. وبذلك تتحول الملامح الإنسانية إلى علامات نفسية تتجاوز الوصف الخارجي، لتكشف عن طبقات من الذاكرة والألم والتجربة الإنسانية.
أما الأشكال المعمارية، فتؤدي وظيفة رمزية وتشكيلية في آن واحد؛ إذ تعبر عن الشموخ والثبات، وتحقق نوعاً من التوازن البنائي مع العناصر الأخرى. ومن خلال هذه المفردات، تؤسس الفنانة ثنائية بصرية بين صلابة الكتل المعمارية والطاقة الروحية التي يجسدها القوس والسهم، لتدمج بين دلالات الماضي والحاضر ضمن إيقاع تشكيلي متماسك.
وتحمل صورة تلاقي الأيدي عند قرص الشمس دلالات فلسفية وروحية عميقة، إذ تشير إلى الصلة بين الإنسان والكون، وإلى الانعتاق والتحرر الروحي، فضلاً عن ارتباطها بالنور والمعرفة. وتتحول الأيدي هنا إلى رموز للتواصل والاتحاد ورفض الخضوع للقيود المادية، بما يعكس رؤية الفنانة الرافضة لعزلة المرأة واغترابها عن محيطها الكوني والإنساني.
وفي جانب آخر من التكوين، يبرز الشكل الهندسي الطافي، الذي يتخذ هيئة القمع، بوصفه استعارة بصرية ذات طابع كابوسي، تحوم فوق رؤوس النساء، وتستحضر ثقل القيود والضغوط التي تحاصر الذات الأنثوية. كما تؤدي المثلثات التكعيبية دوراً مهماً في تفكيك المنظور التقليدي، من خلال إظهار الأشكال من زوايا متعددة، بما يعكس تعددية الرؤية وشمولية الإدراك، ويمنح التكوين إحساساً بالحركة والسرعة والتحول من الواقعية إلى التجريد.
وتكشف المثلثات ذات الرؤوس الحادة عن إيقاع حركي يتصل بالبعد الزمني، إذ لا تقتصر الرؤية على لحظة واحدة أو زاوية ثابتة، بل تستحضر تعدد زوايا النظر إلى الشكل، وهو ما يتيح قراءة تشكيلية تستحضر البعد الرابع، أي الزمن. كما تحقق الفنانة ثنائية الاستقرار والاضطراب من خلال التباين بين المثلثات المستقرة والمثلثات المقلوبة، لتخلق توتراً درامياً يثري الفضاء التشكيلي ويبتعد به عن قواعد المنظور الكلاسيكي.
وتؤدي الأشكال الدائرية المتكررة وظيفة إيقاعية ورمزية، فهي تحيل إلى الحركة المستمرة والدوران الكوني، وتحاكي إيقاعات الطبيعة المرتبطة بالشمس والقمر. كما أن تداخل الأشكال وتراكبها في الفضاء التصويري يخلق وهماً مكانياً يجمع بين العمق والتسطيح، ويؤسس تنظيماً بصرياً للعناصر والكتل الإيجابية والفراغات السلبية. ومن خلال هذا التنظيم، تحقق الفنانة نوعاً من التنفيس البصري، إذ تتحرر الأشكال من حدودها التقليدية لتتفاعل ضمن فضاء مفتوح ومتعدد الاحتمالات.
ويكتسب التكوين الدائري للنساء أهمية مركزية في قراءة العمل، فهو لا يمثل مجرد اختيار هندسي، بل يحمل دلالات تتصل بالانسجام الكوني والكمال والاستمرارية والتضامن. ويمكن قراءة هذا التوجه في ضوء تأثر الفنانة بمفاهيم الهندسة المقدسة، ولا سيما الماندالا، التي تقوم على التناظر والتكرار والتنظيم الروحي للعناصر. فالدائرة هنا تمثل بنية رمزية للاحتواء والاتصال والوحدة، كما تعبر عن التماسك النسوي والمصير المشترك.
إن إحاطة النساء بعضهن ببعض ضمن حلقة بصرية موحدة تمنح التكوين دلالة مزدوجة؛ فهي من جهة تعبر عن الأسر والحصار والانغلاق، ومن جهة أخرى تكشف عن التضامن والقوة المشتركة والقدرة على المقاومة. فالنساء، رغم وصفهن بالأسيرات، يظهرن في هيئة جماعية متماسكة، بما يحول مفهوم الأسر من حالة ضعف واستسلام فردي إلى موقف من الصمود والتحدي. وتغدو الدائرة بمثابة ترس بصري يحمي الكتلة النسوية من الانكسار، ويؤكد أن المعاناة المشتركة يمكن أن تتحول إلى مصدر للقوة والتماسك.
كما أن وجود المرأتين على جانبي المجموعة النسوية يمنح التكوين امتداداً مكانياً وعمقاً بصرياً، ويكسر الرتابة التي قد تنتج عن انغلاق الدائرة. ويمكن قراءة حضورهما بوصفه امتداداً للذاكرة الجماعية، أو رمزاً للسند والحماية، بما يوحي بأن تجربة الأسر والمعاناة لا تتوقف عند حدود المجموعة الظاهرة، بل تمتد عبر الأجيال. وهكذا يتحول التوزيع المكاني للشخصيات إلى عنصر دلالي يثري بنية العمل ويمنحه بعداً يتجاوز حدود اللحظة التصويرية.
ومن الناحية الفكرية، تتمحور اللوحة حول معاناة المرأة العراقية عبر الحقب التاريخية، وما تعرضت له من آثار الحروب والقيود الاجتماعية والسياسية والنفسية. فالأسر في هذا العمل لا يقتصر على السجن المادي، بل يتسع ليشمل أشكال الحصار التي تحد من حرية المرأة واستقلالها وحقها في تقرير مصيرها. وتصبح هيئة الوقوف الجماعي تعبيراً عن عزة النفس والأنفة والثبات، رغم ثقل التجارب التاريخية والإنسانية.
لقد استطاعت بان الجنابي أن تزاوج بين هندسة الدائرة المغلقة، بما تحمله من دلالات الحصار والانغلاق، وبين الهيئة الجسدية الثابتة للنساء، بما تعكسه من قوة وصلابة ومقاومة. ومن خلال هذه الثنائية، تقدم الفنانة خطاباً بصرياً يؤكد أن الأسر، مهما تعددت أشكاله وامتدت آثاره عبر الزمن، لا يستطيع أن يلغي إرادة المرأة أو ينتزع منها قدرتها على الصمود.
إن لوحة «الأسيرات» ليست مجرد تصوير لمعاناة نسوية، بل هي بناء رمزي وجمالي تتداخل فيه الأسطورة والهندسة واللون والحركة والذاكرة الإنسانية. وقد نجحت الفنانة في تحويل المرأة من موضوع واقع تحت وطأة الأسر إلى ذات فاعلة تحمل إرادة التحرر، ومن صورة للضعف إلى رمز للقوة والتضامن والتوق إلى النور. وهكذا تتحول الأسيرات من دلالة القيد والاستسلام إلى دلالة الانعتاق الروحي والبحث عن الحرية والحقيقة، لتغدو اللوحة احتفاءً بقدرة الإنسان على مقاومة عتمة الواقع، واستعادة ذاته عبر الفن والجمال.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق .