قدمتها التدريسية م.م كوثر حيدر عبد اللطيف في قسم الهندسة المدنية -جامعة المستقبل.
تُعدّ الخرسانة من أكثر المواد الإنشائية استخداماً في العالم، غير أن اعتمادها على الإسمنت البورتلاندي يجعل لصناعتها أثراً بيئياً ملحوظاً. إذ تستهلك عملية إنتاج الإسمنت كميات كبيرة من الطاقة، وتنتج عنها انبعاثات مرتفعة من غاز ثاني أكسيد الكربون، تُقدَّر بنحو 5 إلى 8% من الانبعاثات العالمية، وهو ما دفع الباحثين إلى البحث عن مواد رابطة بديلة تحافظ على كفاءة الأداء الإنشائي وتقلل الأثر البيئي. وفي هذا السياق برزت الخرسانة الجيوبوليمرية بوصفها أحد أبرز الحلول الواعدة في مجال الإنشاءات المستدامة.
الجيوبوليمر مادة رابطة غير عضوية تنتج عن تفاعل مواد أولية غنية بالسيليكا والألومينا، مثل الرماد المتطاير والخبث المطحون لأفران الصهر والكاولين المكلّس، مع محاليل قلوية منشِّطة، وغالباً ما تكون هيدروكسيد الصوديوم وسيليكات الصوديوم. وينتج عن هذا التفاعل، المعروف بالتنشيط القلوي، شبكة ثلاثية الأبعاد من الروابط السيليكاتية الألومينية تعمل على ربط الركام وتكوين مادة صلبة ذات مقاومة جيدة. وبذلك يمكن إنتاج خرسانة من دون استخدام الإسمنت البورتلاندي، أو بنسبة منخفضة جداً منه.
وتتمثل أبرز الفوائد البيئية لهذه التقنية في انخفاض البصمة الكربونية مقارنة بالإسمنت التقليدي، إذ تشير دراسات عديدة إلى إمكانية خفض الانبعاثات بنسب قد تصل إلى 40% أو أكثر بحسب نوع المواد الأولية وظروف الإنتاج. كما تسهم هذه التقنية في إعادة تدوير المخلفات الصناعية التي كانت تُطمر أو تتراكم في البيئة، كالرماد المتطاير الناتج عن محطات توليد الطاقة، مما يدعم مفاهيم الاقتصاد الدائري ويخفف الضغط على الموارد الطبيعية.
ومن الناحية الهندسية، تمتاز الخرسانة الجيوبوليمرية بخصائص متميزة، منها اكتساب المقاومة في أعمار مبكرة عند المعالجة الحرارية، ومقاومتها الجيدة للهجوم الكيميائي والكبريتات والأحماض، وقدرتها على تحمل درجات الحرارة العالية والحريق بصورة أفضل من الخرسانة التقليدية في كثير من الحالات. وهذه الخصائص تجعلها مناسبة للمنشآت المعرّضة لظروف بيئية قاسية، مثل شبكات الصرف الصحي والمنشآت البحرية والعناصر الخرسانية الجاهزة.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات تحدّ من انتشارها على نطاق واسع، من أبرزها الحاجة إلى التعامل الآمن مع المحاليل القلوية المنشِّطة نظراً لطبيعتها الكاوية، وتباين خصائص المواد الأولية من مصدر إلى آخر، مما يستدعي ضبطاً دقيقاً لتصاميم الخلطات. كما أن بعض الخلطات تحتاج إلى معالجة حرارية لتحقيق مقاومة مناسبة، الأمر الذي قد يحدّ من استخدامها في الصب بالموقع، فضلاً عن قلة الأكواد الهندسية الموحدة الخاصة بها مقارنة بالخرسانة التقليدية، وارتفاع كلفة بعض المنشِّطات في بعض الأسواق.
وتتجه الأبحاث الحديثة نحو تطوير جيوبوليمرات تُنفَّذ في درجات حرارة الغرفة، واستخدام منشِّطات أقل ضرراً، وتحسين الديمومة طويلة الأمد، وإعداد مواصفات قياسية تُسهم في اعتمادها تجارياً. ويُتوقع أن يكون لهذه التقنية دور متنامٍ في المستقبل، ولا سيما في البلدان التي تتوافر فيها المخلفات الصناعية أو المواد الطبيعية المناسبة لإنتاجها.
وفي الختام، تمثل الخرسانة ذات الإسمنت الجيوبوليمري خطوة مهمة نحو إنشاءات أكثر استدامة، لما توفره من خفض للانبعاثات واستثمار للمخلفات الصناعية وأداء هندسي جيد. ويظل نجاح تطبيقها مرهوناً بالتصميم الدقيق للخلطات، والتحقق المختبري والميداني من خصائصها، والالتزام بالمتطلبات الفنية والمواصفات المعتمدة، بما يحقق التوازن بين كفاءة الأداء وحماية البيئة.