قبل التطرق الى نظريات الابداع علينا التعرف على مفهوم الابداع وعناصر تحقيقه وجوانبه ليتسنى لنا تقديم شرح وافي لنظريات الابداع بالاستعانة ببعض الدراسات .
ان الإبداع هو القدرة على ابتكار أفكار، أو حلول، أو أعمال جديدة ومفيدة من خلال دمج معلومات أو خبرات سابقة بطرق غير مألوفة. إنه التفكير "خارج الصندوق" لتحويل الخيال إلى واقع ملموس، ويشمل مجالات متعددة كالفن، والرياضة , والعلوم، والإدارة، والتكنولوجيا وغيرها, حيث يتطلب الإبداع عدة عناصر لتحقيقه بفاعلية:
- الحداثة: تقديم شيء غير تقليدي أو غير مسبوق الفائدة: أن تكون الفكرة أو المنتج قابلة للتطبيق وذات قيمة.
- الطلاقة: القدرة على توليد عدد كبير من الأفكار في وقت قصير
- .المرونة: القدرة على تغيير زاوية التفكير والتكيف مع المعطيات الجديدة.
قد يعتبر البعض عدم وجود الكثير من الحقائق أمراً سلبياً إلا أن العكس هو الصحيح٬ فالتعددية بحسب كوزبلت٬ بوقيتو٬ ورنكو (2011) تعطي مجالاً أوسع لفهم مختلف القضايا والقوانين المرتبطة بأي علم من العلوم من خلال مناقشة عدة وجهات نظر وتجريب أكثر من منهجية في البحث لمحاولة فهم ظاهرة ما٬ خاصة ما إذا كانت متعددة الأبعاد كالإبداع.
فما الذي نعنيه عندما نتحدث عن الإبداع؟ هل نقصد بذلك العملية أو مجموعة العمليات العقلية التي يستخدمها الأفراد المبدعون للوصول إلى الفكرة الإبداعية؟ أم ربما نقصد به المنتج الملموس والذي يتميز بالأصالة والفاعلية؟ أم أننا مهتمون بالعوامل البيئية المشجعة على الإبداع كالتقبل وتشجيع الأفكار الجديدة وتوفير بيئة نفسية٬ لذا فإن من المهم أولاً الحديث عن أوجه أو جوانب الإبداع من أجل أن نكون محددين ودقيقين فيما نشير إليه عند استخدامنا لهذا المصطلح.
اما نظريات الابداع فعلم الإبداع يشترك مع غيره من العلوم النفسية والتربوية (وحتى ما يعرف بالعلوم الصلبة كالفيزياء) في وجود عدد قليل من الحقائق مقابل عدد كبير الافتراضات والتي غالباً ما يطلق عليها بالنظريات.
إن الجانب الآخر المهم عند الحديث عن نظريات الإبداع هو التطرق إلى مستويات الإبداع. هل الإبداع مستوى واحد أم أن هنالك عدداً من مستويات الإبداع؟ لذا وقبل التطرق للنظريات الأساسية للإبداع٬ سوف يتم الحديث عن جوانب الإبداع ومستوياته لتسهيل فهم النظريات المختلفة حوله.
يعتبر تصنيف رودس (1961) لمجالات دراسة الإبداع هو الأكثر شهرة واستخداماً في الأبحاث. وبحسب رودس٬ فإنه يمكن تقسيم جوانب الإبداع إلى: العملية الإبداعية٬ المنتج الإبداعي٬ الشخصية المبدعة٬ والبيئة الإبداعية. ووفقاً لرودس "يشير مصطلح العملية إلى الدافعية٬ الإدراك٬ التعلم٬ التفكير٬ والتواصل." أما مصطلح الشخصية المبدعة "فيغطي معلومات حول الشخصية٬ الطباع٬ بنية الجسم٬ السمات٬ العادات٬ الاستعدادات٬ مفهوم الذات٬ نظام القيم٬ الميكانزمات الدفاعية٬ والسلوك." وقد وفر رودس تعريفاً بسيطاً للمنتج الإبداعي حينما أشار "عندما تتحول الأفكار إلى شيء ملموس٬ يطلق عليها منتج." أخيراً٬ عرف رودس البيئة الإبداعية أنها "العلاقة بين الإنسان والمحيط الذي يعيش فيه. إن المنتج الإبداعي هو نتيجة لأنواع محددة من القوى التي تلعب دوراً لدى الأفراد كلما تقدموا في العمر." وقد أضاف سايمونتون جانباً خامساً لدراسات الإبداع هو الإقناع. وما يعنيه سايمونتون هو أهمية إقناع المبدع للآخرين بأصالة وقيمة فكرته أو منتجه. فكم من الأفكار المبدعة لم يتم تقديرها نتيجة عدم اهتمام المبدع بالتواصل الفعال مع الآخرين. وإدراكاً من بول تورانس لأهمية عنصر التواصل وإقناع الآخرين بالفكرة أو المنتج الإبداعي٬ ضم في نموذجه لحل المشكلات بطرق إبداعية التواصل مع الآخرين فيما يتعلق بالنتائج. أما إدوارد دي بونو (1985) فقد أشار في برنامج المفكر البارع إلى استراتيجية الجلد٬ وهي التي تعني أنه إذا لم نعتن بطريقة عرض أفكارنا فإن روعة نتائج تفكيرنا قد تذهب هباءً. إضافة إلى العملية الإبداعية٬ المنتج الإبداعي٬ الشخصية المبدعة٬ البيئة الإبداعية٬ والإقناع٬ أضاف مارك رنكو جانباً سادساً هو الإمكانية الإبداعية ويعني به جانب دراسات الإبداع وتطبيقاته الذي يركز على كل ما يحصل قبل وصول الفرد للإنتاجية الإبداعية أو المنتج الإبداعي٬ وهو الجانب الذي قد يكون أكثر أهمية للتربويين وأولياء الأمور الذين يتعاملون مع مرحلة الطفولة حيث أن الاهتمام بالإمكانية الإبداعية يعزز فرص الفرد في الإبداع مستقبلاً والعكس صحيح.
خلاصة القول هو أن بعض نظريات الإبداع ركزت على الشخص المبدع٬ بينما اهتمت نظريات أخرى بدراسة كيفية تشكل المنتج الإبداعي٬ مع وجود بعض النظريات التي حاولت دراسة وتفسير الجوانب الأخرى للإبداع .
إن إدراك وجود مستويات وجوانب مختلفة للإبداع سوف يساعدنا في فهم نظريات الإبداع الآتية:
أولا: النظريات النمائية
تركز النظريات النمائية على الشخص المبدع٬ البيئة الإبداعية٬ والإمكانية الإبداعية وتندرج من مستوى الميني-سي إلى البرو-سي. ومن المواضيع التي تهتم النظريات النمائية بالتطرق لها هي الخلفية الأسرية وحياة الأشخاص المبدعين ضمن الأسرة. كما تهتم النظريات النمائية بأساليب وطرق تنشئة المبدعين التي ترتبط بالإبداع لاحقاً كالتعرض لخبرات متنوعة والاستقلالية والاعتماد على الذات. كما وتناولت العديد من الأبحاث النمائية قضايا تتعلق ببناء أسرة المبدع كترتيب ولادة المبدع بين أخوته٬ الفترة الزمنية بين الإخوة والأخوات٬ حجم الأسرة٬ وغيرها من المتغيرات المتعلقة ببناء أو تكوين الأسرة. وقد أشار فرانسيس جالتون إلى أن الطفل الأول في الأسرة غالباً ما يحصل على فرص نمائية أكثر مقارنة ببقية أخوته. إلا أن هنالك عدداً من الدراسات النمائية التي بيّنت أن الأطفال الذين يولدون في الوسط قد يكونون أكثر إبداعاً حيث يقودهم موقعهم في الأسرة إلى التفكير في بدائل أخرى لجذب انتباه الوالدين منها التمرد على القوانين وهو ما يكون على نطاق الأسرة في مرحلة الطفولة٬ إلا أن ذلك قد يساعدهم مستقبلاً في تحدي الافتراضات والوضع الراهن لخلق بدائل وحلول غير مألوفة. ومن مجالات الأبحاث النمائية المتعلقة بالإبداع هو العلاقة بين الإبداع واللعب وكيف يكون التعليم من خلال اللعب مشجعاً ومحفزاً للطفل على التفكير بطريقة إبداعية وينمي مهارات الطلاقة والمرونة والأصالة لديه٬ وما هي خصائص وسمات البيئة المشجعة على الإبداع.
ثانيا: النظريات السيكومترية
لا تهتم النظريات السيكومترية (القياس النفسي) بوصف الجوانب النمائية للأفراد أو عمليات التفكير أو الدافعية بل ينصب اهتمامها على قياس الإبداع بمختلف جوانبه (العملية٬ المنتج٬ الشخصية٬ والبيئة) ومستوياته. وبما أن النظرية السيكومترية تركز على قياس الإبداع٬ فإن اهتمامها منصب على توفير مقاييس صادقة وثابته لمختلف جوانب الإبداع. ويمثل الصدق دقة قياس الأداة للغرض الذي صممت لأجله٬ أما الثبات فيعني الدقة في إعطاء نفس النتائج إذا تكرر القياس على نفس الشخص عدة مرات في ظروف متشابهة. وليس هنا المجال للتفصيل في أنواع الصدق والثبات
وعلى مر السنوات٬ طور عدد من الباحثين مجموعة من المقاييس التي تهدف إلى قياس جوانب الإبداع المختلفة. ففي جانب العملية العقلية تبرز عدد من المقاييس لعل أهمها اختبارات تورانس للتفكير الإبداعي (Torrance Tests of Creative Thinking)
والتي تقيس عدداً من قدرات الإبداع هي الطلاقة والمرونة والأصالة والتفاصيل وتجريد العناوين ومقاومة الإغلاق المبكر وقائمة قوة الإبداع التي تضم ثلاثة عشر مؤشراً. وقد صدرت النسخة الأخيرة من اختبار تورانس في العام 2017. أمثلة أخرى لاختبارات العملية الإبداعية تشمل اختبارات جيلفورد٬ واختبارات والاك وكوجان٬ واختبار ميدنك للارتباطات البعيدة٬ وبطارية رنكو للإبداع .
:أما مقاييس الشخصية المبدعة فقد تكون أكثر المقاييس تنوعاً حيث يقيس بعضها الإدراك الإبداعي مثل قائمة كاتينا-تورانس للإدراك الإبداعي( Khatena-Torrance Creative Perception Inventory ) :ويقيس بعضها جوانب معينة في الشخصية كاختبار نيو للشخصية-بعد الانفتاح (Openness Scale of the NEO Personality Inventory)
كما يقيس بعضها الآخر الأسلوب والسلوك الإبداع. فيما يتعلق بقياس المنتج الإبداعي٬ فهنالك أيضاً أكثر من منهجية مستخدمة لعل أشهرها أسلوب التقييم التوافقي Consensual )
Assessment Technique ) والتي يقوم من خلالها الخبراء في مجال معين (كالموسيقى مثلاً) بتقييم المنتجات الموسيقية لعدد من الأشخاص في ضوء معايير محدده. كما تتوفر عدد من مقاييس التقدير للأعمال والمنجزات الإبداعية كقائمة المنتج الإبداعي
(Creative Product Inventory; Taylor & Sandler, 1972)
:ونموذج تقييم المنتجات الطلابية لريس ورنزولي
(Student Product Assessment Form; Reis & Renzulli, 1991).
أخيراً٬ ومن أجل قياس المناخ الإبداعي٬ طور عدد من الباحثين عدداً من المقاييس التي تهدف إلى قياس جوانب معينة في البيئة الإبداعية ومنها على سبيل المثال أداة قياس المناخ الإبداعي. 0 (Assessing the Climate for Creativity; Amabile, 1995)
ومقياس بيئة العمل. ((Work Environment Inventory; Amabile & Gryskiewicz, 1989).
ثالثا: نظريات المكونات والمراحل
تتميز نظريات المكونات والمراحل بتركيزها على العملية الإبداعية وتشمل مستويات الإبداع جميعاً من ال الميني-سي وحتى الإبداع الكبير. ولعل أشهر هذه النظريات أو النماذج هو نموذج والاس للعملية الإبداعية والذي يتألف من أربعة مراحل هي التحضير وهي مرحلة ما بعد الإحساس بالمشكلة والتي يكرس فيها المبدع وقته للبحث عن مصادر ومعلومات تتعلق بالمشكلة التي تواجهه أو التي يسعى لحلها٬ كما تتضمن هذه المرحلة تعريف المشكلة. أما المرحلة الثانية حسب نموذج والاس فهي مرحلة الاحتضان والتي تتضمن قضاء الفرد بعض الوقت من غير التفكير في المشكلة التي يسعى لحلها. وإذا ما كان الاحتضان فعّالاً ظهرت المرحلة الثالثة وهي الإشراق والتي يظهر فيها الحل بشكل مفاجئ. أخيراً٬ يقوم المبدع في المرحلة الرابعة بحسب والاس بالتحقق من الحل أو مجموعة الحلول التي نتجت عن مرحلة الإشراق.
أما النموذج الآخر الشهير تحت مظلة نظريات المكونات فهو نموذج أمابيل للمكونات. يتكون هذا النموذج من ثلاث عوامل هي:
١) مهارات مرتبطة بالمجال.
٢) مهارات مرتبطة بالإبداع.
3) الدافعية.
فبحسب أمابيل٬ من أجل أن يبدع أي شخص يجب أن تكون له مهارات مرتبطة في المجال الذي يعمل فيه كالرياضيات أو الفيزياء أو الرسم. المجموعة الأخرى من المهارات الضرورية بحسب أمابيل هي المهارات المرتبطة بالإبداع كالطلاقة والأصالة والمرونة في التفكير. أما العنصر الثالث فيكمن في وجود دافعية داخلية للفرد من أجل تحقيق العمل المبدع.
رابعا: النظريات المعرفية
تركز النظريات المعرفية في الإبداع على العملية الإبداعية بشكل أساس٬ وعلى الشخص المبدع. إن من الصعب التفكير في الأداء أو الإنجاز الإبداعي دون افتراض وجود أساس معرفي لهذه الإنجازات الإبداعية٬ كما أن من الصعب التفكير في الأشخاص المبدعين من دون افتراض أنهم يملكون قدرات معرفية متقدمة. أحد أشهر النظريات المعرفية هي النظرية الترابطية لميدنك. لقد اهتم ميدنك بوصف كيفية ترابط الأفكار مع بعضها البعض لتكوين استنتاجات أصيلة. وتقوم نظرية ميدنك على فكرة الارتباطات البعيدة٬ أي أن الأفراد المبدعين يختلفون عن الأقل إبداعاً في قدرتهم على توليد ارتباطات أكثر للمثير الواحد. النظرية المعرفية الأخرى الشهيرة تبرز من خلال نموذج بناء العقل لجيلفورد٬ حيث أشار جيلفورد إلى وجود ١٨٠ قدرة مختلفة من خلال نموذجه الذي واجه الكثير من الانتقادات بسبب بعض المشكلات الإحصائية التي وقع فيها لكن ما يهم هنا هو قدرات التفكير التباعدي التي أشار إليها جيلفورد في نموذجه والتي ساعدت الكثير من الباحثين في قياس العملية العقلية.
تهتم النظرية المعرفية أساساً بالطرق المختلفة التي يدرك بها الأفراد الأشياء والوقائع وكيف يفكرون فيها وهذا يتعلق أساسا بما يسمى بالأساليب المعرفية (Cognitive Style ) وهي الطرق التي يلجأ إليها الأفراد في تحصيلهم للمعلومات من البيئة فالمبدع ينظر إليها هنا على أنه يقبض بإحكام وبطريقة نشطة على بيئته فهو ليس مجرد مستقبل سلبي لما تقدمه له هذه البيئة .
والإبداع على وفق هذه النظرية لا يمثل أقساماً مختلفة من العلاقة الترابطية ولكنه يمثل طرائق مختلفة في الحصول على المعلومات ومعالجتها وطرائق مختلفة أيضا في الدمج بين هذه المعلومات من أجل البحث عن الحلو والإنتاجات الإبداعية الأكثر كفاية، ومن ثم التركيز على عمليات الإدراك وطرق وأساليب المعرفة يشكل بؤرة من البؤر التي بدأ فيها المنظرون المعرفيون طريقتهم في التعامل مع الظواهر السلوكية ومن بينها ظاهرة السلوك الإبداعي.
وأيضا تركز النظريات المعرفية في الإبداع على العملية الإبداعية بشكل أساس وعلى الشخص المبدع. إن من الصعب التفكير في الأداء أو الإنجاز الإبداعي دون افتراض وجود أساس معرفي لهذه الإنجازات الإبداعية٬ كما أن من الصعب التفكير في الأشخاص المبدعين من دون افتراض أنهم يملكون قدرات معرفية متقدمة.
إضافة الى ذلك فإن ً النظريات المعرفية تهتم بدراسة دور الاستبصار والحدس في الإبداع وبعمليات التفكير المعرفية (كالانتباه والادراك) وما وراء المعرفية (كالتقييم والتخطيط والمراقبة).
ومن منظري الاتجاه المعرفي:-
– بياجيه :
حاول بياجيه استكشاف قضية الابداع وتسليط الضوء عليه من زوايا عدة ، مثل اصلها وتشكيلها وآليتها وهو يرفض أن الإبداع هو فطري وان الابداع ليس مرتبطاً بشكل مباشر بالنمو المعرفي حيث إن هذا حق تطوري بيولوجي ونفسي يمارسه جميع الأطفال ولا يؤدي بالضرورة إلى إحداث الإبداع.
لخص بياجيه إلى ان هناك ثلاثة شروط لابد من توافرها لدى الفرد حتى يبدع في مجاله:
هو ان يعمل الفرد وحده ويتجاهل أي انسان آخر من حوله ،وألا يثق بأي تأثير خارجي.
أن يقرأ الفرد كمية في المجالات العلمية المختلفة خارج نطاق مجاله البحث عن خصم.
وفي إطار نظريته البنائية يعزي بياجيه أصول الإبداع إلى عملية التجريد الانعكاسي Reflxive Abstraction وهو تجريد يقوم على تجريد ليس من الأشياء نفسها بل من أفعال الفرد نفسه.
وأن الشخصية المبدعة هي تلك الشخصية التي لا تذعن للمألوف وتسلم به طواعية بل تحاول إثارة الأسئلة حوله وتعتمد على نفسها بالدرجة الأولى للتعلم والاستكشاف.
يرى اوزبل أن مستوى الإبداع مشابه لمستوى (التركيب) في المستويات المعرفية ضمن تصنيف بلوم Blom المعرفي الذي يرى أن التعلم يتم عن طريق الآلية الآتية:-
( المعرفة – والفهم – و التطبيق – والتحليل – والتركيب – والتقويم ).
حيث إن الابداع والتركيب يتطلبان إنتاجاً اصيلاً في ضوء خبرات الفرد السابقة.
ويعد اوزبل الإبداع نتيجة فريدة وهي تقابل ما يطلف عليه كرونباك 1966 كشوفاً عظيمه حيث يتوصل العقل إلى إعادة تنظيم تفسيره على نحو رائع ومفاجىء ويتفق أوزبل مع كرونباك على ان هذه الكشوف العظيمة نادرة وأن العلماء التربويين يستطيعون تهيئة الظروف التي تيسر حدوث هذه النتائج وتتمثل العملية الإبداعية بالآتي:
( التعلم بالاكتشاف – التطبيق – حل المشكلات – الإبداع).
خامسا: نظريات حل المشكلات بطرق إبداعية
من النظريات والنماذج التي فسرت الإبداع على أنه نوع من أنواع حل المشكلات هي الأشهر في مجال دراسات الإبداع بل أن جيلفورد نفسه اقترح أن الأشخاص يبدعون بسبب وجود مشكلة أو كرد فعل على وجود مشكلة ما، وترتبط نظريات حل المشكلات بطرق إبداعية بجانب العملية الإبداعية والمنتج الإبداعي حيث أن المنهجية نفسها (أي حل المشكلات) تستخدم في كثير من الأحيان لابتكار فكرة أو منتج أصيل وملائم. ولعل أشهر نماذج حل المشكلات هو نموذج أوزبورن-بارنز لحل المشكلات بطرق إبداعية. يفترض هذا النموذج وجود ستة خطوات أساسية لحل المشكلات بطرق إبداعية هي:
١- التعرف على التحديات
٢- تحديد المشكلة الأساسية
٣- توليد حلول مقترحة
٤- توليد واختيار المعايير
٥- تطبيق المعايير على الحلول التي تم توليدها
٦-تطوير خطة عمل
وقد استخدم تورانس هذه المنهجية في برنامج حل المشكلات المستقبلية والذي هو بمثابة مسابقة سنوية تطرح عدداً من المشكلات المستقبلية ويستخدم الطلبة من خلالها أسلوب أوزبورن-بارنز في حل المشكلات بطرق إبداعية للتوصل إلى حلول لهذه المشكلات المستقبلية
سادسا: نظريات النظم
ترى نظريات النظم أن الإبداع ينتج من خلال تفاعل مجموعة من العناصر التي يجب أن تُأخذ جميعها بعين الاعتبار من أجل فهم أفضل للفكرة أو السلوك أو المنتج الإبداعي. وغالباً ما توظف نظريات النظم المنهجية النوعية لفهم الإبداع. وتهتم نظريات النظم بكافة جوانب الإبداع (العملية٬ الشخصية٬ المنتج٬ والبيئة) مع وجود تفاوت في الاهتمام ببعض هذه الجوانب٬ كما تركز غالباً على الإبداع الكبير. ومن أشهر هذه النظريات هي نظرية تشكزيميهاي والتي يرى من خلالها أن الإبداع ينتج من خلال تفاعل ثلاث عناصر هي المجال٬ الشخص المبدع٬ والحقل. ولتجنب أي لبس في ترجمة هذه المصطلحات٬ سوف يتم التفصيل في معنى كل منها. ويقصد بالمجال هنا جانب المعرفة كالكيمياء أو الطب أو التربية٬ أما الحقل فيقصد به الخبراء في ذلك المجال. أما العنصر الثالث فهو الشخص المبدع الذي يحاول إقناع الخبراء (الحقل) بقيمة فكرته أو منتجه. ولكي يحدث الإبداع٬ يجب أولاً على الفرد تقديم منتج أو فكرة إبداعية للخبراء في المجال. الخطوة الثانية هي قبول الخبراء في هذا المجال للفكرة أو المنتج الإبداعي المقدم من قبل الفرد المبدع. أما الخطوة الثالثة فهي تتمثل في التغير الذي يطرأ على المجال نتيجة للفكرة الإبداعية التي قدمها الفرد وتبناها ووافق عليها الخبراء في ذلك المجال.
سابعا: النظريات الطبيعية
وهي مجموع النظريات التي تفسر الإبداع على أساس ظاهرة طبيعية منطقية وفيما يلي عرض مفصل لكل نظرية:
– أفلاطون: الإلهام Platolins Pivation :
يرى أفلاطون أنه لا يوجد شيء يسمى بالإبداع الشخصي، ولم يركز على عقلية الإنسان كالذكاء والذاكرة، وإنما يوجد هناك قوة خارجية تعمل على وجود الإبداع وقد أطلق على هذه القوة اسم (الإلهام) وتعد هذه القوة سماوية أو إلهية ودليله على ذلك:-
على سبيل المثال عندما تكون مشغولاً بمسألة رياضية، ولا تستطيع حلها، فتتركها وتنام، ولكن أثناء لمنام يتراءى لك الحل بكامله، فما الذي أوصلك إلى هذا الحل، يعتقد أفلاطون إنها القوة الخارجية التي يسميها الإلهام حيث ربط أفلاطون بين الإبداع والإلهام فالإبداع عبارة عن قوة إلهية تدفع الشخص وتسطير عليه والإلهام يأتي في لحظة وينتهي.
– أرسطو : الإبداع كصنع Aristotle Creation as Making :
يرى أرسطو أن الموهبة تخضع لقوانين طبيعية، وأنها تأتي من الفن أو الطبيعة أو قد تأتي تلقائياً فالطبيعة تنتج مواد ، وهذه المواد تنتج مواد أخرى، تسمى صناعات، وجميع هذه الصناعات تأتي إما من مهارة أو من الأفكار وقد تحدث بشكل تلقائي أو عن طريق الحظ، وهذه تمثل عمليات الإبداع.
ثامنا: النظريات الفسيولوجية
ينطلق تفسير النظرية الفسيولوجية للإبداع من منطلق علم النفس الفسيولوجي (Physiological Psycholoy ) وهو العلم الذي يعني بدراسة وظائف الأعضاء مع التركيز على الجهاز العصبي للإنسان عامة ثم الدماغ بوجه خاص ومدى تأثيرها على الإدراك والتعلم والسلوك الاجتماعي الإبداعي.
ومن هذه النظريات:
جوزيف بوجين و غلندا بوجين: الإبداع وتصنيف الدماغ: Joseph E Bogn and Glendaa M.B Bogen: Creativity and the Bisected Brain
قد اقترح العالمان بأن الإبداع يعتمد على بناء التوصيلات العصبية بالدماغ وهي متصلة مع بعضه بما يسمى بالجسم الجاسىء وتعمل على التعاون بين نصفي كرة الدماغ كما أشار إلى أن الإبداع اللغوي ناتج عن عمل النصف الأيسر لكرة الدماغ وهي أفضل من النصف الأيمن في هذا الجال.
فقد كان هناك تقدم بيولوجي كما يراه (بوجين وبوجين ) ذو علاقة مباشرة بالبحث عن الإبداعية.
هذا هو الاكتشاف لما يسمى ( بالدماغ المنشطر او المقسم) وقد كان اول من ذكر عن الدماغ المنقسم أو المنشطر إلى قسمين هو سبيري ومعاونوه سنة 1959 ، أن التطبيق الخاص الذي قام به الباحثان على إبداعات
نجد أن نصف الدماغ الأيمن مسؤول عن العمليات الأولية وهي الأفكار الإبداعية الأصلية في حين يسيطر النصف الأيسر على العمليات الثانوية.
تاسعا: النظريات النفسية
التحليل النفسي : (Psychological Analysis) :من أهم المفاهيم التي يقوم عليها التحليل النفسي في تفسير الإبداع هي :-
الشعور (Consciousness ): يعرف أنه مجموعة الأحاسيس والإدراكات وعناصر الذاكرة التي تربط بجميع جوانب الحياة العقلية للفرد وهو الجانب الأساسي للعملية الإبداعية.
عقدة أوديب ( Odipus Complex ): تشير إلى مجموعة الرغبات والمشاعر والأفكار اللاشعورية التي تقوم على أساس الرغبة في امتلاك الوالد أو الوالدة من الجنس المقابل ويشير وجودها عند الذكور والإناث ويمكن أن تؤدي هذه العقدة في الحصول على الكثير من الأفكار الإبداعية لاسيما في المجال الفني، ولكن نظريات التحليل النفسي تعطي انتاجا أقل لهذه العقدة في الوقت الحالي وحاليا يتم التأكيد على دراسة العلاقة الطفل وأمه.
اللاشعور ( Consciousness UN ) : حالة تمتاز بافتقار الوعي أو نقصه بالعمليات الداخلية التي تحدث والتي ترتبط بالجانب الخارجي من الشعور ويتكون اللاشعور من الدوافع والرغبات والذكريات والصور والنزعات التي تثير القلق إلى حد كبير ولا يمكن قبولها عند مستوى الشعور ومن ثم يتم تحويلها إلى منطقة الشعور وكبتها هناك ، إن الكبت يظهر ويكشف عن نفسه من خلال إسقاطه لنفسه في شكل رمزي مميز في أوجه مختلفة منها الإبداع الفني.
التسامي (Sublimation ) : يشير إلى العملية التي من خلالها يتم تهذيب وأعاده الدوافع والاندفاعات البدائية والغريزية والمحرمة في شكل سلوكيات جديدة وغير غريزية والذي عدة النزاعات الإبداعية مظهراً من مظاهر التسامي.
العملية الأولية ( Primary Process ): تشير إلى الوظائف التي تكون نشيطة عند المستوى الغريزي وهناك يتم تصوير العملية الأولية بوصفها عملية لا شعورية ولا عقلانية يتجاهل الزمان والمكان وتؤدي إلى الأفكار الإبداعية.
العملية الثانوية (Secondary Process ): تشير إلى النشاطات الشعورية العقلية والمنطقية وقد تم تصوير هذه العمليات باعتبارها ترتبط بشكل وثيق بالأنا (Ego ) ومبدأ الواقع ومن خلالها يتحقق الإبداع.
اللاشعور الجمعي (Consciousness Collective UN ): على أنه جانب اللاشعور من العقل يشترك به جميع البشر وقد افترض يونج أن هذا اللاشعور موروث وينتقل عبر الأجيال ويترك آثاره على شكل مضمون مخ الإنسان.
إن جميع المفاهيم السابقة مرتبطة بالتحليل النفسي تحمل في مضمونها ومعانيها صفة الإبداع ، فهذه الصفة قد تكون نوعاً من الإدراك كما في الشعور أو موروثة كما عقدة أوديب أو اللاشعور الجمعي، أو قد تمتاز ببعض جوانب النقص كما في اللاشعور، أو الإخفاء والاستبعاد كما في الكبت ، أو التهذيب والاندفاع كما في التسامي، أو نشاطاً غريزياً كما في العمليات الأولية أو قد تكون مرتبطة بمفهوم الأنا كما في العمليات الثانوية.
فرويد Frued : إن شكل الصراع بين منظومات الشخصية المدخل الأساسي في تفسير النشاط الإبداعي عند فرويد كما في التسامي والحيل الدفاعية الأخرى كالكبت ، وإن الإبداع ما هو إلا استمرار للعب الخيالي وتعبير عن محتويات لا شعورية قد تبدو مرفوضة، ولكنها في الوقت نفسه مقبولة اجتماعياً.
اتفق مع فرويد في نظرته للإبداع العديد من تلامذته ومن هؤلاء (جونز Jones – اللاشارب Ella.f. Sharbe – فيرنون Fairbairn – ولي Lee )
بينما عارضته برجلت Berglet عندما أكدت أن الإبداع ينتج من الجهود التي تبذل بمقاومة الرغبات غير المقبولة اجتماعياً .
نظرية الجشطالت: ( gestalt theory)
ترى هذه المدرسة ان الإبداع هو إعادة دمج المعارف والأفكار بشكل جديد ، وتعتمد هذه النظرية في تفسير العملية الإبداعية على مفهوم الانغلاق ( Closure ) يحاول فيه الفرد إكمال الصورة الناقصة في الشيء أو غلق المدركات المفتوحة.
يرى فرتهيمر Wertheimen : الإبداع بأنه نشاط تنتج عنه فكرة جديدة أو هو استبصار كامل التكوين يأتي للفرد في ومضة والمفهوم الأساسي لدى أصحاب هذا الإتجاه أمثال كوهلر Koheler وكوفكا Koffka وليفين Liwen هو مفهوم (الإستبصار) وهو ليس قوة سحرية لخلق الحلول فالموقف يجر الكائن الى أن ينصرف بطريقة معينة بالرغم من أنه لا يمتلك الأدوات الخاصة بهذا النشاط مسبقاً ويتم ذلك من خلال عمليات التنظيم وإعادة التنظيم الإدراكي وفي سلسلة من المواقف المترابطة ، فالتفكير الأصيل هو تنظيم للمدركات وإعادة تنظيم لها اكثر من كونه انعكاسا للخبرات الإدراكية السابقة وكل تنظيم له جوانبه المختلفة مثل : الاستقرار والتصلب والتعقد وغيرها من الخصائص وأن التنظيم ينتج من التفاعل وإعادة التفاعل بين المبدع والبيئة.
المنظرون الجشطالتيون ينظرون إلى العملية الإبداعية نظرة كلية تكاملية وينصحون بعدم تحليلها إلى عناصر جزئية حيث أن هذا قد يفقدها الكثير من الخصوبة أو الثراء المتضمن فيها كعملية كلية.
ينظر ليفين Liwen : إلى التفكير الإبداعي على أنه ينبع من الاستجابة إلى القوى التي يتألف منها المجال الذي يعيش فيه الفرد لذلك فالمجال السلوكي هو ذلك الحيز الذي يتعلق مباشرة بالذات وما حولها من موضوعات تثير فيه نوعاً معيناً من الدوافع فتنشأ التوترات التي تبقى مستمرة إلى أن تنتهي بأعمال أو إشباع هذه التوترات.
قد جابهت النظرية الجشطالتية بعض الصعوبات التي تتعلق بتفسيرها للحل الجديد وظهورها فجأة على أساس الحدس Intuition وليس على أساس الانتقال المنطق للعقل وهكذا نجد أن الحدس وان كان يمثل وجهاً من أوجه العملية الإبداعية فهو إشارة تسبق المشكلة حينما يكون ذلك الحل مبهماً ومحتفظاً بطابع لغزي شبه غامض Quasienigmatique.
عاشرا: النظريات الإرتباطية
منذ القرن السابع عشر سادت مفاهيم الترابطية في أوروبا كاتجاه يحاول صياغة قضايا السلوك وفق اطار ترابطي تتفق قوانينه مع قوانين الترابط الأساسي وقد أمكن بفضل هذا الإطار النظر للإبداع على أنه القدرة على وضع الصياغات الجديدة والتوليف بين أفكار قديمة ، وترى أن عملية التفكير المبدع تتمثل في القدرة على تكوين ارتباطات كطريقة تركيبية جديدة أو مبتكرة من اجل مقابلة متطلبات معينة او تحقيق فائدة تعرف النظرية الارتباطية الابداع بأنه ( تجميع العناصر المترابطة في تشكيلات معينة لمقابلة الحاجات أو لتحقيق بعض الفائدة وكلما كانت عناصر التشكيلة الجديدة متنافرة وغير متجانسة أزداد مستوى الابداع لعملية الحل ).
– قال أندريه بريتون ( أن جزءاً هاماً من الأصالة يتمثل في القدرة على إطلاق الأفكار من الوقائع المتجاورة ) وهذا القول باعتماد الابداع على عملية تكوين تداعيات او ترابطات من الخبرة السابقة وتحوليها إلى تكوينات جديدة.
– واطسون يعرف التفكير الإبداعي بأنه ( تفكير غير معتاد يحدث عندما يندمج المرء في حل مشكلة معينة جديدة ويكون هناك في البداية عدد من محاولات للتعليم وفيه يصل الفرد إلى خلق تكوينات جديدة قد تكون في مجال الأدب كالقصيدة والفنون كاللوحة الفنية او الغرض العلمي ويتم الوصول إلى الاستجابة الإبداعية عن طريقة تناول الكلمات والتعبير حتى نصل إلى نمط جديد منها.
– آرثر كوستلر : حقيقة الإبداع ( Arthur Koestler: Bisociation in Creation )
يتحدث كوستلر عن فكرة الارتباط المزدوج في الإبداع وذلك للتمييز بين التفكير الروتيني في اتجاه واحد والحدث الخلاق والمبتكر المبدع الذي يعمل فيه الإدراك على مستويين.
وأن المعايير التي يتم بواسطتها تمييز الابداع ازدواجي الارتباط عن نطيره الارتباط الروتيني تتمثل في:
الاستقلالية السابقة للمهارات العقلية أو طرق المعالجة البشرية للمواقف التي يتم تحويلها وتجميعها كحدث مبدع.
الحدث الابتكاري الذي يتضمن مستويات متعددة في صيغ معالجة المشكلة.
ومن أهم خصائص الأفكار فردية الارتباط ( الاعتيادية) وخصائص الأفكار ازدواجية الارتباط ( الإبداعية) كما في التالي:
ت فردية الارتباط ازدواجية الارتباط
1 توجه بإجراءات الإدراك المتزايد توجه بإجراءات الإدراك الجزئي (المختص)
2 لها اتزان ديناميكي تنشط عمليات التجديد البيولوجي لعوامل كامنة
3 تكرارية غير مـألوفة
4 تتراوح ما بين الجمود والمرونة لديها مرونة جزئية (مختصة)
5 مرتبطة بمكونات تفكير محدودة مرتبطة بمكونات تفكير مستقلة.
احد عشر: النظريات الإنسانية
تنطلق مفاهيم النظرية الإنسانية للقدرات الإبداعية من خلال تأكيده أن الأفراد لديهم القدرة على الإبداع وأن الاختلافات بينهم هي اختلافات في الدرجة وليست في النوع وكذلك فإن تحقيق هذه القدرات لدى الفرد يتوقف على المناخ الاجتماعي الذي يعيشه فاذا كان هذا المناخ حراً خالياً من الضغوط وعوامل الكف فأن الطاقات الإبداعية للفرد ستزدهر وتتفتح وتتحقق في هذا تحقيقه لذاته ووصوله إلى مستوى مناسب من الصحة النفسية السليمة.
أشار ايريك فروم From :
إلى أن الاتجاه الإبداعي لدى الأفراد ما هو إلا توجه منتج( Production orientation ) يقوم على أساس العلاقات التي يقيمها الإنسان من العالم الخارجي ويرى أن الشخص بالتأكيد يكون سعيداً عندما يبدع شيئاً ما بشكل عفوي وعندما يتحد مع العالم خاص المبدعين الذين استطاعوا تحقيق انسانيتهم وتحقيق طاقاتهم الإبداعية.
ثاني عشر: نظريات التحليل العاملي
النظرية العاملية هي نظرية يحاول ممثلوها ان يفسروا ظاهرة معينة في ضوء عدد من العوامل وقد استعمل هذا الأسلوب عدد كبير من علماء النفس منهم سبيرمان وبيرت وثومبسون وثيرستون وجيلفورد وكاتل وايزنك وتورانس ممن قدموا عدة نظريات أو تصورات عن شخصية الإنسان في مجال الإبداع وموقف بعض هذه النظريات على النحو التالي:
سبيرمان Spearman :
اعتمد سبيرمان 1931 في تفسيره لأهم الصفات النفسية التي تحدد المعنى العام للإبداعية على آلاف التجارب التي قام بها هو واتباعه خلال الربع الأول من هذا القرن التي كانت تهدف في جوهرها الكشف عن اكثر الاختبارات تشبعاً بهذه القدرة وقد دلت نتائج هذه الدراسات على أن مدى تشبع أي اختبار يرجع في جوهره إلى ثلاث دعائم رئيسية أطلق عليها القوانين الإبداعية وهي :-
قانون إدراك الخبرة الشخصية : ( أي خبرة في حياة الفرد تميل به مباشرة إلى معرفة خصائصها ومعرفته هو لنفسه ) يهدف هذا القانون إلى توضيح المداخل الرئيسية للمعرفة البشرية وموقف العقل منها أيا كان نوع الخبرة قد تكون ادراكيه في جوهرها وقد تصبح انفعالية.
قانون ادراك العلاقات : ( عندما يواجه العقل شيئين أو أكثر فأنه يميل إلى ادراك العلاقة أو العلاقات القائمة بينهما ) فالعلاقة بين الوردة الحمراء والدم علاقة لونية تحدد فكرة التشابه القائم بينهما والعلاقة بين الليل والنهار علاقة تضاد تحدد الاختلاف بينهما.
قانون ادراك المتعلقات : ( عندما يواجه العقل متعلقاً وعلاقه فإنه يميل مباشرة إلى ادراك المتعلق الآخر) مثل العلاقة بين الأبيض والأسود مثل العلاقة بين النور والظلام ويدل هذا القانون عكس الفكرة التي يدل عليها قانون العلاقات وذلك لأنه يستعين بالعلاقة لاستنتاج المتعلق المجهول في حين استعان القانون السابق بالمتعلقات لاستنتاج العلاقة المجهولة.
وهكذا فإن سبيرمان قد فسر الإبداع كعملية تعتمد على مفهوم الذكاء .
ولا شك أن الإبداع كما يراه تورانس (Torrance ) يتحدد بمهارات الإنتاج الذي يمتاز بالطلاقة والمرونة والأصالة وادراك التفصيلات على النحو الآتي:
الطلاقة Fluency : وتتمثل بقدرة الفرد على إعطاء أكبر عدد ممكن من الاستجابات المناسبة في فترة زمنية معينة ، إزاء مشكلة أو مثير معين في فترة محددة.
المرونة FLexbillty : وتتمثل بقدرة الفرد على التفكير في اتجاهات مختلفة تتضمن فئات مختلفة من الاستجابات على أن يكون انتاجه يشمل أنواعاً متعددة من الأفكار وكذلك امكان تحويل تفكير من مدخل لآخر واستخدام مجموعة من الاستراتيجيات المختلفة.
الأصالة Originalty : وتتمثل بقدرة الفرد على انتاج أكبر عدد من الأفكار الأصلية الجديدة من الناحية الإحصائية وهكذا تكون الفكرة أصيلة اذا كانت فريدة ويندر تكرارها وتمتاز بانها مألوفة أو اعتيادية أو مستقرة .
التفضيلات Elaboration : وتتثمل بقدرة الفرد على إعطاء المزيد من الإضافات لفكرة معينة وكذلك تطوير وتزيين أو زخرفة أو تفضيل الأفكار بأي من الطرق الممكنة .
وتهتم النظرية بقوة المميزات والخصائص التي تميز المبدعين وتبين مدى الاختلافات بين الطلبة المبدعين والطلبة الأقل ابداعاً
ومن هنا اقتراح تورانس بعض المبادئ والقواعد لتشكيل مناخ تربوي مقبول لتنمية القدرات الإبداعية وتطوير انتاجها عند التلاميذ:
العمل على احترام الأسئلة غير الاعتيادية للتلاميذ.
تشجيع وتعزيز فرص التعلم الذاتي والاكتشاف للتلميذ.
اشراك التلميذ في جلسات التعلم والمناقشات الحرة
ربط أفكار التلميذ بإطار له معنى لمساعدته على ادراك قيمة أفكاره والاعتزاز بها للتلاميذ.
هناك نظريات ابداع أخرى نذكر منها:
1- نظرية مارس وسايمون (March & Simon;1958):
فسرت هذه النظرية الإبداع من خلال معالجة المشكلات التي تعترض المنظمات إذ تواجه بعض المنظمات فجوة بين ما تقوم به وما يفترض أن تقوم به ،فتحاول من خلال عملية البحث خلق بدائل ،فعملية الإبداع تمر بعدة مراحل هي فجوة أداء ،عدم رخاء ،بحث و وعي ،وبدائل ،ثم إبداع حيث عزَيا الفجوة الأدائية إلى عوامل خارجية (التغير في الطلب أو تغيرات في البيئة الخارجية)أو داخلية.
2- نظرية برونز وستالكر (Burns & Stalker;1961):
وكانا أول من أكدا على أن التراكيب و الهياكل التنظيمية المختلفة تكون فاعلة في حالات مختلفة ،فمن خلال ما توصلوا إليه من أن الهياكل الأكثر ملائمة هي التي تسهم في تطبيق الإبداع في المنظمات من خلال النمط الآلي الذي يلائم بيئة العمل المستقرة و النمط العضوي الذي يلائم البيئات سريعة التغير ،كما أن النمط العضوي يقوم عن طريق مشاركة أعضاء التنظيم باتخاذ القرارات ،فهو يسهل عملية جمع البيانات و المعلومات ومعالجتها.
3- – نظرية ويسلون Wilson 1966:
أوضح فيها أن عملية الإبداع تمر في ثلاث مراحل يصب هدفها في إدخال تغيرات أساسية في المنظمة وهي إدراك وفهم الحاجة للتغيير، اقتراح نوعية وكمية التغير ثم تبني التغيير وتطبيقه وقد افترضت هذه النظرية أن نسبة الإبداع في المراحل الثلاث تتباين بسبب عوامل عدة من بينها: التعقيد في المهمات الرسمية، وتنوع أنظمة الإدارة والقيادة، فكلما ازداد عدد المهمات المختلفة في العمل، كلما ازدادت المهمات غير الرتيبة، مما يسهل الإبداع وفهمه من قبل جماعات العمل وعدم ظهور تعارض في الأفكار.
و افترضت أن نسبة الإبداع في هذه المراحل الثلاث متباينة بسبب عدة عوامل منها التعقيد في المهام (البيروقراطية) وتنوع نظام الحفظ ،وكلما زاد عدد المهمات المختلفة كلما ازدادت المهمات غير الروتينية مما يسهل إدراك الإبداع ،بصورة جماعية وعدم ظهور صراعات ،كما أن الحوافز لها تأثير إيجابي لتوليد الاقتراحات وتزيد من مساهمة أغلب أعضاء المنظمة.
4- نظرية هارفي ومل (Harvey of Mill;1970):
قد استفادا مما قدمه كلا من (March & Simon) و(Burns & Stalker) ،فانصب تركيزهم على فهم الإبداع من خلال مدى استخدام الأنظمة للحلول الروتينية-الإبداعية لما يعرف (بالحالة و الحلول) ،فقد وصفوا أنواع المشكلات التي تواجهها المنظمات وأنواع الحلول التي قد تطبقها من خلال إدراك القضية(المشكلة) عن طريق ما تحتاجه من فعل لمجابهتها أو بلورتها (أي كيفية استجابة المنظمة) أو البحث بهدف تقدير أي الأفعال المحتملة التي قد تتخذها المنظمة أو اختيار الحل (انتقاء البديل الأمثل) أو إعادة التعريف بمعنى استلام معلومات ذات تغذية عكسية حول الحل الأنسب ،إذ تسعى المنظمة إلى وضع حلول روتينية لمعالجة حالات أو مشكلات تم التصدي لهما سابقا (الخبرات السابقة) بينما تسعى لاستحضار حلول إبداعية لم يتم استخدامها من قبل لمعالجة المشكلات غير الروتينية أو الاستثنائية بتبني الهياكل التنظيمية و الميكانيكية و العضوية.
كما تناولوا العوامل التي تؤثر في الحلول الإبداعية و الروتينية مثل حجم المنظمة وعمرها ،درجة المنافسة ،درجة التغير التكنولوجي ،درجة الرسمية في الاتصالات ،فكلما زادت مثل هذه الضغوطات يتطلب الأمر أسلوب أكثر إبداعا لمواجهتها.
5- نظرية هاغ وايكين (Hage and Aiken;1970):
تعد من أكثر النظريات شمولية ،إذ أنها تناولت المراحل المختلفة لعملية الإبداع فضلا عن العوامل المؤثرة فيه ،وفسرت الإبداع على أنه تغير حاصل في برامج المنظمة تتمثل في إضافة خدمات جديدة و حددت مراحل الإبداع كالاتي:
مرحلة التقييم: أي تقييم النظام ومدى تحقيقه لأهدافه وهذا ما جاء به
مرحلة الإعداد: أي الحصول على المهارات الوظيفية المطلوبة و الدعم المالي.
مرحلة التطبيق: البدء بإتمام الإبداع واحتمالية ظهور المقاومة.
الروتينية: سلوكيات ومعتقدات تنظيمية.
أما العوامل المؤثرة في الإبداع فمختلفة و بالغة التعقيد فهي:
زيادة التخصصات المهنية وتنوعها.
المركزية
الرسمية
الإنتاج
الكفاءة و الرضا عن العمل
6- نظرية زالتمان وآخرون (Zaltman and others;1973) :
تنظر هذه النظرية للإبداع كعملية تتكون من مرحلتين هما: مرحلة البدء و مرحلة التطبيق ولهما مراحل جزئية ويعتبر على أنه فكرة أو ممارسة جديدة لوحدة التبني ، ووصفوا الإبداع على أنه عملية جماعية وليست فردية ،واعتمدوا على نظرية (Hage and Aiken) إلا أنهم توسعوا في شرح المشكلة التنظيمية وأضافوا متغيرات أخرى هي: العلاقات الشخصية ،أسلوب التعامل مع الصراع.
وحددوا مراحل تفصيلية للإبداع هي:
1- مرحلة البدء:
- مرحلة ثانوية لوعي المعرفة.
- مرحلة ثانوية حول مراحل الإبداع.
- مرحلة ثانوية للقرار.
2- مرحلة التطبيق
– تطبيق تجريبي
– تطبيق متواصل
وهنالك بالطبع نظريات أخرى فسرت الإبداع كالنظريات الاقتصادية لعل من أشهرها نظرية استثمار الإبداع لستيرنبيرغ ولوبارت ونظرية الطبقة المبدعة لريتشارد فلوريدا. كما توجد النظرية التطورية (الداروينية) التي تفسر الإبداع من خلال مفاهيم التباين والاحتفاظ الانتقائي.
ان أهم ما يستخلص مما سبق هو عدم وجود تفسير واحد شامل للإبداع. ذلك يرجع أساساً إلى أن الإبداع ظاهرة متعددة الأبعاد٬ حيث تشمل دراسات الإبداع الفرد المبدع وخصائصه وسماته كالاستقلالية وحب المخاطرة والانفتاح العقلي٬ كما تشمل العملية الإبداعية وهي الأدوات العقلية التي يوظفها الشخص المبدع للوصول للفكرة أو المنتج الإبداعي. كما يشمل الإبداع دراسة المنتج الإبداعي وكيفية تشكله والبيئة المحفزة للإبداع. إضافة إلى تعدد جوانب الإبداع٬ فإن الصعوبة الأخرى في وجود نظرية شاملة تكمن في أن للإبداع أكثر من مستوى واحد كما تم التطرق إليه. وبناءً على ذلك٬ ركزت بعض النظريات على العملية الإبداعية كالنظرية المعرفية٬ وركزت أخرى على الشخص المبدع والظروف المحيطة به كالنظرية النمائية. كما اهتمت بعض النظريات بالمنتج الإبداعي كنظريات النظم. أخيراً٬ ركزت النظريات السيكومترية على قياس الإبداع بكافة جوانبه ومستوياته. إن الفهم الجيد لكل هذه النظريات من شأنه توفير قاعدة صلبة لاستيعاب البناء الكامل للإبداع٬ كما أن من شأنه توليد استبصارات وارتباطات قد تكون مدخلاً لنظريات مستقبلية أكثر شمولاً ودقة.