إعداد وتقديم: م.م. لينا حسين علي – مقررة قسم الهندسة المدنية، كلية الهندسة، جامعة المستقبل
تُمثّل المرحلة الجامعية انعطافة حاسمة في حياة أي طالب، حيث يتنقل فيها من بيئة مدرسية وأسرية مألوفة ومحمية إلى عالم آخَر يتطلب قدرًا عاليًا من الاستقلالية والقدرة على التكيف الاجتماعي. بالنسبة للطالب التشخيصي على طيف التوحد (Autism Spectrum)، لا تقتصر هذه المرحلة على مواجهة التحديات الأكاديمية فحسب، بل تتجاوزها لتشكل اختبارًا يوميًا معقدًا في كيفية الموازنة بين العزلة كحاجة لحماية الذات، والاندماج كضرورة للاستمرار وبناء الذات داخل المجتمع والسكن الجامعي.
التحديات الاجتماعية داخل السكن الجامعي: بيئة مفرطة التحفيز
تُعد تجربة السكن الجامعي (Dormitories) واحدة من أكثر التجارب تعقيدًا للطالب التوحدي؛ إذ يفرض هذا الفضاء مشاركة المساحة الشخصية مع أفراد آخرين، مما يثير تحديات مباشرة في عدة جوانب:
الإغراق الحسي (Sensory Overload): يتميز الأشخاص على طيف التوحد بحساسية عالية للمدخلات الحسية (الأصوات العالية، الأضواء الخافتة أو القوية، الروائح، والازدحام). يُعتبر السكن الجامعي بيئة صاخبة ومتحركة باستمرار، مما يرهق الجملة العصبية للطالب التوحدي ويدفعه للانسحاب والبحث عن مساحة هادئة.
مشاركة المساحة الشخصية والخصوصية: تتطلب مشاركة الغرفة وتناول الوجبات الجماعية تواصلاً مستمرًا ومراعاة للقواعد غير المكتوبة للتفاعل اليومي. هذا التواجد المباشر والدائم يقصّر من "فترة استراحة" الطالب، وهي المساحة التي يحتاجها عادة لإعادة شحن طاقته النفسية.
فهم القواعد الاجتماعية الضمنية: يعاني الطالب التوحدي غالبًا من صعوبة في قراءة الإشارات غير اللفظية (مثل لغة الجسد أو تعابير الوجه) أو فهم النكات والرمزية الاجتماعية، مما قد يُفسَّر بشكل خاطئ من قِبل الزملاء كنوع من البرود أو الغرابة.