قدمتها ا.م.د ميادة وحيد فلاح
رئيس قسم الهندسة المدنية _ جامعة المستقبل
يمثل التخلص من مخلفات البناء والهدم تحدياً بيئياً وهندسياً متزايداً، خصوصاً مع التوسع العمراني والحاجة المستمرة إلى مواد البناء. ومن الحلول الواعدة إعادة تدوير الخرسانة المهدمة وتحويلها إلى ركام يمكن استخدامه بديلاً جزئياً أو كلياً عن الركام الطبيعي في إنتاج الخرسانة. ويُعد هذا التوجه خطوة مهمة نحو تعزيز مفهوم الاقتصاد الدائري وتقليل استنزاف الموارد الطبيعية، مع ضرورة المحافظة على متطلبات السلامة والأداء الإنشائي.
الأداء الميكانيكي للخرسانة المعاد تدويرها
ينتج الركام الخرساني المعاد تدويره عادةً من تكسير مخلفات الخرسانة وفرزها وتنظيفها، وقد تبقى على سطح حبيباته بقايا من المونة الأسمنتية القديمة. وتؤثر هذه البقايا في المسامية وامتصاص الماء والكثافة، مما قد ينعكس على خصائص الخرسانة الجديدة.
تشير الدراسات إلى أن تأثير الركام المعاد تدويره يعتمد على جودته ونسبة الاستبدال وطريقة المعالجة وتصميم الخلطة الخرسانية. وقد تنخفض مقاومة الضغط والشد والانحناء ومعامل المرونة عند زيادة نسبة الاستبدال في بعض الخلطات، كما قد تتأثر قابلية التشغيل والانكماش والمتانة. ومع ذلك، يمكن الحد من هذه التأثيرات من خلال ضبط نسبة الماء إلى الأسمنت، وتصحيح رطوبة الركام وامتصاصه، وتحسين التدرج الحبيبي، واستخدام المعالجة المناسبة والإضافات عند الحاجة.
أما في العناصر الإنشائية، مثل الكمرات والأعمدة والبلاطات، فلا يكفي تقييم مقاومة الضغط وحدها؛ بل ينبغي دراسة قدرة التحمل، والتشقق، والترابط بين الخرسانة وحديد التسليح، والتشوهات، والمتانة طويلة الأمد، وفق متطلبات التصميم والكود المعتمد.
الاستدامة والأثر البيئي
يسهم استخدام الركام المعاد تدويره في تقليل كميات مخلفات الهدم المرسلة إلى المطامر، والحد من استخراج الرمل والحصى الطبيعيين. وقد يساهم أيضاً في خفض الأثر البيئي المرتبط بالنقل واستخراج المواد، بحسب موقع منشأة التدوير وكفاءة عمليات التكسير والمعالجة.
لكن تحقيق الاستدامة لا يعتمد على إعادة التدوير وحدها؛ إذ يجب موازنة المنافع البيئية مع الطاقة والمياه المستهلكة في المعالجة والنقل، فضلاً عن العمر الخدمي للمنشأ ومتطلبات الصيانة. لذلك، يُعد تقييم دورة الحياة أداة مهمة للمقارنة بين الخرسانة التقليدية والخرسانة المحتوية على الركام المعاد تدويره.
متطلبات الاستخدام الآمن
لضمان الاستخدام الفعال في العناصر الإنشائية، يُوصى بإجراء فحوصات للتدرج الحبيبي والكثافة وامتصاص الماء ومحتوى الشوائب، إلى جانب اختبارات الخرسانة الطازجة والمتصلدة. كما ينبغي تنفيذ خلطات تجريبية واختبارات مناسبة للتحقق من مقاومة الضغط والشد والانحناء والمتانة، ثم اعتماد نسب الاستبدال وفق النتائج ومتطلبات الكود المعمول به.
الخلاصة
يمثل الركام المعاد تدويره فرصة عملية للجمع بين الأداء الهندسي والاستدامة البيئية. غير أن نجاح استخدامه في العناصر الإنشائية يتطلب اختيار مواد ذات جودة مناسبة، وتصميماً مدروساً للخلطة، وضبطاً للجودة، وتقييماً شاملاً للأداء والمتانة. وبهذه الشروط، يمكن تحويل جزء من مخلفات البناء إلى مورد قيّم يدعم تطوير قطاع إنشائي أكثر كفاءة واستدامة.