عندما يوصف الغضب أنه ضرب من الجنون، وصاحبه يندم، وإن لم يندم، فجنونهُ مستحكم. إذاً لنتوارى بعد كل غضب يعصف بنا ويهزنا ويرانا الناس او يسمعوا عنَّا فيقولوا ما بالنا ولكن ماذا عن قوله تعالى: (وباءوا بغَضبٍ من الله. وغضب الله عليهم. سينالهم غضب من ربهم) ومثلُ هذا كثير. أَم إنَّا تجاوزنا قدرَنا الضئيل فنطمع بما ليس حقاً لنا. والغضب من أقدم المشاعر وأكثرها بدائية لدى الإنسان. يُعتقد أنه تكوّن في أدمغة الناس منذ زمن بعيد، حين كان الطعام والمأوى والشريك قليل غير متجسد، والفناء يحيط بالحياة. فقد منح الغضب أجدادنا الدافع والقوة لحماية ما يحتاجونه.
ما الذي يحدث داخل الدماغ عندما نغضب؟ تلعب اللوزة الدماغية (Amygdala)، وهي بنية عصبية صغيرة عميقة داخل الدماغ، دوراً محورياً في اثارة الغضب. يعرّف العلماء اللوزة بأنها الجزء المسؤول عن معالجة الخوف وتحفيز الغضب ودفعنا إلى التحرك، فهي تنبهنا إلى الخطر وتفعّل استجابة القتال أو الهروب (Fight-or-flight response). وعندما ترصد تهديداً، كإهانة أو صراخ غاضب، ترسل إشارات تهيئ الجسم للتصرف. يرتفع معدل ضربات القلب، وتتوتر العضلات، ويفرز الجسم الأدرينالين (Adrenaline) والتستوستيرون (Testosterone)، وهما هرمونان يهيئان الجسم للعدوان الجسدي.
أما القشرة الجبهية الأمامية (Prefrontal cortex)، وهي الجزء الأمامي من القشرة المخية (Cerebral cortex)، فمهمتها مختلفة. إنها مسؤولة عن التفكير والحكم، وتساعدنا على التفكير المنطقي قبل التصرف. بعبارة مبسطة، تتحرك اللوزة أولاً، وتحاول القشرة الجبهية أن تهدّئ الأمور. ويصف الطبيب النفسي أليكس ديميتريو هذا الامر بقوله: "خلال هذه النوبات يصبح النظام العاطفي أكثر نشاطاً، بينما تُقمع القشرة الجبهية. وهذا قد يؤدي إلى سلوك غير عقلاني أو يُندم عليه، ونوبات غضب حادة، أو العنف في أسوأ صوره."
لكن العلاقة بين هذين الجزأين ليست مفتاح تشغيل وإطفاء بسيطاً. فخلال استفزاز الغضب، ارتبط نشاط القشرة الجبهية الظهرانية الجانبية (Dorsolateral prefrontal cortex) بتثبيط السلوك العقابي لاحقاً. وبعبارة أخرى، يستطيع نظام الضبط في الدماغ أن يؤثر فيما يفعله الشخص بعد أن يشعر بالغضب، حتى حين يكون الشعور نفسه قوياً. كما تشير دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) إلى أن الغضب المزمن يرتبط بضعف الاتصال بين اللوزة والقشرة الحجاجية الجبهية (Orbitofrontal cortex)، مما يدل على أهمية طريقة تواصل هذه المناطق مع بعضها.
الرجال والنساء يختلفون في تجربة الغضب؛ فالنساء أكثر ميلاً إلى أن يتراكم الغضب لديهن ببطء، بينما يميل الرجال إلى موجة سريعة وحادة. وتربط ذلك بحجم اللوزة، لكن هذا الادعاء ما زال محل جدل، لذلك يُعامل على أنه فرضية لا حقيقة مثبتة.
ويظهر الغضب في الجسم بطرق واضحة. فعندما يرتفع الأدرينالين، تتوسع الأوعية الدموية في الوجه، وهذا ما يجعل بعض الناس تحمر وجههم عند الغضب. كما يقبض كثيرون قبضاتهم أو يصرّون على أسنانهم دون أن ينتبهوا. وقد ورد في الحديث النبوي قوله (ص): "ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحس بشيء من ذلك فليلصق بالأرض".
ويمكن أن يؤثر الغضب في الصحة على المدى الطويل. فقد وجدت دراسة نُشرت في مجلة الجمعية الأمريكية للقلب أن ضعف توسّع الأوعية الدموية يمهّد لتراكم الترسبات داخل جدرانها، ما قد يؤدي إلى النوبات القلبية. وفي تلك الدراسة، أدى استحضار ذكر غضب سابق إلى تأثير مؤقت في وظيفة الأوعية الدموية. لكن الباحثين شددوا على أن الشعور بالغضب بين حين وآخر لن يزيد فجأة من خطر النوبة القلبية، وأن القلق الحقيقي يكمن في الغضب المتكرر عبر الزمن. كما أظهرت الأبحاث أن طريقة التعامل مع الغضب مهمة؛ فالأشخاص الذين يتعاملون مع غضبهم بشكل بنّاء، كأن يعملون على حل المشكلة التي أغضبتهم، يتمتعون بضغط دم أدنى في حالة الراحة من الذين يملكون مهارات تأقلم أقل.
لهذا فإن تعلّم التحكم في الغضب مهم. عندما تشعر أن غضبك يرتفع، خذ عدة أنفاس عميقة وبطيئة لتهدئة نبض قلبك، وامنح عقلك وقتاً للتفكير لخفض مستوى التوتر. يمكنك أيضاً أن تؤجل ردك حتى تهدأ، أو أن تبتعد عن الموقف لفترة قصيرة. فالحديث عن المشكلة بهدوء، بدلاً من الرد الفوري، يؤدي غالباً إلى نتائج أفضل.
قال تعالى: "وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ" (الأعراف: 154). عبر عن سكون الغضب واطفائه بالسكوت تنبيهاً على أن الغضب كان هو الحامل على ما فعل والأمر له به والمغرى عليه. وقد وردَ في الروايات ان من الالواح ما تكسر.