تُعد الكهرباء من أهم متطلبات الحياة الحديثة، لكن إنتاجها لا يتوافق دائماً مع أوقات الحاجة إليها. فقد يرتفع الطلب خلال ساعات المساء، بينما يتوفر إنتاج كبير من الطاقة الشمسية في منتصف النهار. ويشكل هذا الاختلاف تحدياً أمام المهندسين، خصوصاً مع التوسع في استخدام مصادر الطاقة المتجددة.
ومن هنا تبرز أهمية أنظمة تخزين الطاقة الكهربائية، التي تتيح الاحتفاظ بالطاقة المنتجة واستخدامها في وقت لاحق. لكن كيف يمكن تحديد الوقت المناسب لشحن البطاريات أو تفريغها لتحقيق أفضل استفادة ممكنة؟
لماذا تحتاج الشبكات الكهربائية إلى تخزين الطاقة؟
يعتمد إنتاج الطاقة الشمسية والرياح على الظروف الجوية، مما يجعل القدرة المتولدة منهما متغيرة خلال اليوم. وتساعد أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات (Battery Energy Storage Systems – BESS) على التعامل مع هذه التغيرات، من خلال تخزين فائض الطاقة وإعادته إلى الشبكة عند الحاجة.
ولنفترض وجود منظومة طاقة شمسية تنتج فائضاً قدره 50 كيلوواط ساعة (kWh) خلال النهار. إذا خُزن هذا الفائض في بطارية مناسبة، وكانت كفاءة دورة الشحن والتفريغ الكلية 85%، فيمكن استعادة نحو 42.5 كيلوواط ساعة لاستخدامها مساءً، بافتراض توفر السعة والقدرة التشغيلية اللازمتين.
ويوضح هذا المثال الافتراضي أن البطاريات لا تنتج طاقة إضافية، بل تنقل استخدامها من وقت إلى آخر، مع وجود فواقد أثناء عمليتي الشحن والتفريغ.
ويمكن لهذه الأنظمة أيضاً أن تسهم في تخفيف أحمال الذروة ودعم تشغيل الشبكة، لكن تحقيق هذه الفوائد يعتمد على طريقة إدارة الطاقة المخزنة والقيود الفنية للبطاريات.
كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار؟
تعتمد بعض أنظمة إدارة الطاقة على قواعد تشغيل محددة مسبقاً، مثل شحن البطارية عند توفر فائض من الطاقة الشمسية وتفريغها عند ارتفاع الطلب.
لكن ماذا لو كان الطلب المتوقع مرتفعاً خلال المساء، أو كانت التوقعات تشير إلى انخفاض إنتاج الطاقة الشمسية في اليوم التالي؟ عندها قد يصبح الاحتفاظ بجزء من الطاقة المخزنة أكثر فائدة من تفريغ البطارية مباشرة.
هنا يظهر دور التعلم المعزز (Reinforcement Learning – RL)، وهو أحد أساليب الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على تعلم اتخاذ القرارات من خلال تقييم نتائجها.
يمكن تدريب خوارزمية التعلم المعزز داخل بيئة محاكاة، بحيث تستخدم معلومات مثل حالة شحن البطارية، والإنتاج الشمسي المتوقع، والطلب الكهربائي، وتكاليف الطاقة عند توفر أسعار متغيرة، لاختيار قرارات الشحن والتفريغ المناسبة.
فعلى سبيل المثال، قد تتعلم الخوارزمية الاحتفاظ بالطاقة خلال ساعات انخفاض الطلب واستخدامها عند ارتفاعه، بشرط الالتزام بالحدود التشغيلية للبطارية.
ولا يعني ذلك أن التعلم المعزز يتفوق دائماً على الطرق التقليدية، بل يجب اختبار نتائجه ومقارنتها بأساليب التحسين المعروفة.
مثال علمي: كيف تساعد البطاريات في تقليل حمل الذروة؟
لنفترض وجود منشأة صناعية يبلغ حملها الكهربائي 70 كيلوواط (kW) لمدة ساعتين خلال فترة الذروة.
إذا توفر نظام بطاريات قادر على تقديم قدرة مقدارها 15 كيلوواط طوال هذه الفترة، فيمكن تقليل القدرة المسحوبة من مصدر التغذية من 70 إلى 55 كيلوواط خلال الساعتين.
ولتحقيق ذلك، يجب أن توفر البطارية طاقة قابلة للاستخدام لا تقل عن 30 كيلوواط ساعة عند خرج النظام، مع مراعاة فواقد التحويل وحدود التشغيل.
يمكن لخوارزمية إدارة الطاقة تحديد الوقت المناسب لتنفيذ هذا التفريغ اعتماداً على توقعات الأحمال والطاقة المتاحة، مما يساعد على تخفيف الضغط على مصدر التغذية.
وقد يحقق ذلك وفورات اقتصادية في الأنظمة التي تعتمد تعرفة مرتبطة بأوقات الاستهلاك أو أعلى قدرة مطلوبة، لكن الفائدة المالية تختلف باختلاف نظام التسعير وظروف التشغيل.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي المحافظة على عمر البطاريات؟
لا تعتمد كفاءة البطارية على مقدار الطاقة المخزنة فقط، بل تتأثر أيضاً بدرجة الحرارة، وشدة تيار الشحن والتفريغ، وحالة الشحن (State of Charge – SOC)، وعدد دورات التشغيل وظروف استخدامها.
وقد يؤدي التشغيل المتكرر ضمن ظروف غير مناسبة إلى تسريع تدهور البطارية وانخفاض سعتها مع مرور الوقت.
ويمكن لخوارزميات إدارة الطاقة مراعاة هذه العوامل عند اختيار قرارات التشغيل، بهدف تحقيق توازن بين الاستفادة من الطاقة المخزنة وتقليل التدهور المتوقع للبطارية.
ومع ذلك، يجب التمييز بين خوارزمية الذكاء الاصطناعي ونظام إدارة البطارية (Battery Management System – BMS)، المسؤول عن مراقبة الجهد والتيار ودرجة الحرارة، وتطبيق إجراءات الحماية اللازمة.
فالذكاء الاصطناعي قد يساعد في تحسين قرارات التشغيل، لكنه لا يحل محل أنظمة الحماية الكهربائية، ولا يضمن إطالة عمر البطارية ما لم تُثبت النتائج ذلك عملياً.
ما التحديات التي تواجه هذه التقنية؟
رغم النتائج المشجعة في الدراسات والمحاكاة، فإن استخدام التعلم المعزز في إدارة البطاريات يواجه تحديات تتعلق بدقة البيانات، واختلاف ظروف التشغيل، وصعوبة ضمان سلامة القرارات في جميع الحالات.
فقد تقدم الخوارزمية نتائج جيدة أثناء التدريب، لكنها تواجه صعوبة عند حدوث تغيرات غير متوقعة في الأحمال أو إنتاج الطاقة المتجددة.
ولهذا يدرس الباحثون أساليب تجمع بين التعلم المعزز وطرق التحكم والتحسين التقليدية، مع تطبيق قيود صارمة لحماية البطاريات والشبكات الكهربائية.
ويجب تقييم أي خوارزمية جديدة وفق معايير واضحة، تشمل تكاليف التشغيل، والفواقد الكهربائية، والالتزام بالقيود الفنية، وتأثير قرارات الشحن والتفريغ في عمر البطارية.
آفاق بحثية في هندسة القدرة الكهربائية
يفتح هذا المجال فرصاً أمام طلبة وباحثي الهندسة الكهربائية، إذ يمكن بناء نموذج مبسط يضم منظومة طاقة شمسية وبطارية وحملاً كهربائياً باستخدام MATLAB أو Python.
ويمكن اختبار ثلاث طرق لإدارة الطاقة: قواعد تشغيل ثابتة، وطريقة تحسين رياضي تقليدية، وخوارزمية تعلم معزز. ثم تُقارن النتائج اعتماداً على كمية الطاقة المستخدمة، وتكاليف التشغيل، والفواقد، وحالة شحن البطارية، مع اختبار الأداء في أيام تختلف فيها الأحمال والظروف الجوية.
وتزداد أهمية هذه الأبحاث مع التوسع في مصادر الطاقة المتجددة والشبكات الذكية، حيث تصبح الحاجة أكبر إلى أنظمة قادرة على اتخاذ قرارات تشغيلية مرنة وموثوقة.
نحو إدارة أكثر ذكاءً للطاقة
لا يعتمد مستقبل منظومات القدرة الكهربائية على زيادة إنتاج الكهرباء فحسب، بل يرتبط أيضاً بتحسين طرق تخزينها وإدارتها واستخدامها.
ويمثل التعلم المعزز اتجاهاً بحثياً قد يساعد في تطوير قرارات تشغيلية أكثر مرونة، لكن نجاحه يتطلب إثبات كفاءته مقارنة بالطرق التقليدية، مع المحافظة على سلامة البطاريات والشبكات الكهربائية.
ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتحقيق أفضل إدارة للطاقة المخزنة، دون التأثير في عمر البطاريات وموثوقية المنظومة الكهربائية؟
إن البحث عن إجابة لهذا السؤال يفتح آفاقاً جديدة لتطوير أنظمة طاقة أكثر كفاءة وقدرة على التعامل مع تحديات المستقبل
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق