اعداد د. ابراهيم رسول هاني
تعمل الجامعات اليوم في بيئة تتسم بالمنافسة المحلية والدولية، وبتغير توقعات المجتمع وسوق العمل، وبتنامي الاهتمام بالتصنيفات الأكاديمية والاعتماد المؤسسي والتحول الرقمي. وفي هذا المشهد لم تعد الهوية المؤسسية مجرد اسم أو شعار أو نص في دليل الجامعة، بل أصبحت منظومة من القيم والرؤى والممارسات تحدد كيف تفهم الجامعة نفسها، وكيف يفهمها منتسبوها والمجتمع المحيط بها.
غير أن كثيرًا من الجامعات تنفق جهدًا كبيرًا في تصميم الهوية البصرية وصياغة الرسالة والرؤية، ثم تكتشف أن أثر ذلك في سلوك الأستاذ والطالب والموظف محدود. والسبب أن الهوية لا تتحول إلى واقع بالإعلان عنها، وإنما بتحويلها إلى سلوك يومي يلتزم به المنتسبون عن قناعة. من هنا تأتي أهمية الحديث عن «سلوك الهوية المؤسسية»، أي كيف نصل بالهوية من الورق إلى الممارسة.
تناقش هذه المقالة مفهوم الهوية المؤسسية في الجامعة، وصورة سلوكها لدى مختلف الفئات، والعوامل المؤثرة فيه، ثم تقدم خطوات عملية لتعزيزه وطرقًا لقياس تقدمه. الهوية المؤسسية في الجامعة تُعرَّف الهوية المؤسسية بأنها ما يميز المؤسسة ويبقى ثابتًا في جوهره عبر الزمن، أي الإجابة عن سؤال: من نحن كجامعة؟ وتتكون هذه الهوية في السياق الجامعي من عدة عناصر مترابطة: الرسالة والرؤية والقيم: ما تسعى الجامعة إلى تحقيقه، وما تلتزم به من مبادئ في التعليم والبحث وخدمة المجتمع.
الثقافة التنظيمية: القيم المشتركة والأعراف غير المكتوبة التي تحدد ما يُعد سلوكًا مقبولًا ومرغوبًا داخل الجامعة. الرموز والتقاليد: الشعار والاسم والمناسبات الأكاديمية والاحتفالات التي تمنح المنتسبين إحساسًا بالتميز والاستمرارية. السمعة والصورة الذهنية: ما يراه الخريجون وأرباب العمل والمجتمع في الجامعة، وهو ما يتأثر مباشرة بسلوك منتسبيها. والمهم أن الهوية ليست جامدة تمامًا؛ فهي تحتفظ بجوهرها وتتكيف في الوقت نفسه مع المتغيرات، كظهور تخصصات جديدة أو انتشار التعليم الإلكتروني. والهوية القوية هي التي توازن بين الثبات في القيم والمرونة في الوسائل. ما المقصود بسلوك الهوية المؤسسية؟ سلوك الهوية المؤسسية هو مجموع الأفعال والمواقف التي يعبّر بها منتسبو الجامعة عن انتمائهم لها وتبنّيهم لقيمها ورسالتها. ويرتبط بمفهوم التماهي التنظيمي، أي أن يشعر الفرد بأن مصير الجامعة جزء من مصيره، فيرى نجاحها نجاحًا له وإخفاقها إخفاقًا له. وكلما قوي هذا الشعور ظهر أثره في السلوك اليومي. ويمكن تمييز أربعة أبعاد لهذا السلوك: السلوك الأكاديمي والقيمي: الالتزام بأخلاقيات البحث والتدريس والنزاهة الأكاديمية، واحترام المعايير والأنظمة الجامعية. السلوك التمثيلي: تمثيل الجامعة بصورة إيجابية في المؤتمرات والمحافل العلمية ومواقع التواصل، والدفاع عن سمعتها بالحجة والمثال. السلوك التشاركي: المشاركة في الأنشطة واللجان والفعاليات والمبادرات التي تخدم الجامعة ومجتمعها.
السلوك التطويري: تقديم المقترحات والملاحظات البناءة والإسهام في تحسين العمل بدل الاكتفاء بالنقد أو الانسحاب. ويتجلى هذا السلوك بصور مختلفة لدى كل فئة. فالأستاذ يعبّر عنه بالتزامه برسالة الجامعة في بحثه وتدريسه، والطالب بحرصه على سمعة جامعته وانخراطه في حياتها الأكاديمية والطلابية، والموظف الإداري بجودة خدمته واحترامه لقيم المؤسسة في تعامله اليومي. أما الخريج فيبقى سفيرًا للجامعة حيثما كان. لماذا يهم تعزيز هذا السلوك؟ حين تتسق الهوية المعلنة مع الممارسة الفعلية تنعكس النتائج على الجامعة كلها: تقوية الانتماء والاستقرار الوظيفي: المنتسب الذي يشعر بأن الجامعة تشبهه وتمثل قيمه أكثر استعدادًا للبقاء فيها وبذل الجهد لأجلها. رفع جودة الأداء الأكاديمي والبحثي: الانتماء يدفع إلى المبادرة والالتزام والعمل الجماعي، ويقلل من النزعة الفردية. تحسين السمعة والصورة الذهنية: سلوك المنتسبين هو الوجه الحقيقي للجامعة أمام المجتمع، وأقوى من أي حملة إعلامية. تعزيز القدرة على التكيف مع التغيير: المؤسسة ذات الهوية الواضحة تواجه التحولات بثقة لأن منتسبيها يعرفون ما الذي لا يمكن التنازل عنه. وفي المقابل، حين تتسع الفجوة بين ما تعلنه الجامعة وما تمارسه فعلًا، يضعف الإحساس بالمصداقية، ويتراجع الالتزام، ويتحول الحديث عن القيم إلى شعارات لا يصدقها أحد. العوامل المؤثرة في سلوك الهوية المؤسسية يتشكل هذا السلوك بتفاعل عدة عوامل، أبرزها: القيادة الجامعية. القيادات هي التي تصوغ الرسالة وتحولها إلى سلوك يومي. ويتعزز الأثر حين تكون القيادة قدوة تتطابق أقوالها مع أفعالها، فالمنتسب يتعلم من مراقبة ما يفعله رئيس الجامعة والعميد ورئيس القسم أكثر مما يتعلمه من التعميمات. الثقافة التنظيمية. تحدد الثقافة السائدة ما يُكافأ وما يُستهجن في الجامعة. فإذا كانت الثقافة قائمة على التعاون والنزاهة والتميز، تحول ذلك إلى سلوك طبيعي لدى المنتسبين، وإن كانت قائمة على المحسوبية والشكلية فلن تنفع معها أي حملة هوية. الاتصال المؤسسي. وضوح الرسالة وتنسيق الخطاب الداخلي والخارجي يقللان الفجوة بين الهوية المعلنة والهوية المُدركة. وحين لا يعرف المنتسب ما الذي تريده جامعته منه، يصعب أن يتبنى هويتها. المشاركة في صنع القرار. من يشارك في القرار يشعر بملكيته له، ويدافع عنه ويلتزم به. أما القرارات المفروضة من الأعلى فتولد الامتثال الشكلي لا الانتماء.
العدالة التنظيمية والتقدير. إدراك العدالة في التقييم والترقية وتوزيع الموارد، وشعور المنتسب بأن جهده مقدّر، شرطان أساسيان لبناء الثقة التي يقوم عليها التماهي مع الجامعة. استراتيجيات عملية لتعزيز السلوك صياغة الهوية بالمشاركة بدل أن تُفرض الرسالة والرؤية والقيم من الإدارة العليا، تُراجع بمشاركة الأكاديميين والطلبة والإداريين عبر ورش عمل واستبيانات وجلسات حوار. وعندما يرى المنتسب كلماته في وثيقة الهوية، يتعامل معها بوصفها هويته هو لا هوية الإدارة. سد الفجوة بين المعلن والممارس تبدأ المراجعة من الأنظمة والحوافز: هل تكافئ معايير الترقية والتقييم السلوكيات التي تدعو إليها القيم المعلنة؟ فإذا كانت الجامعة تعلن التميز البحثي ثم تكافئ الكم على حساب الجودة، فإنها ترسل رسالة معاكسة لما تعلنه، وهي الرسالة التي سيلتقطها المنتسبون. بناء قيادة قدوة يمكن تنظيم برامج لتنمية القيادة الأكاديمية تركز على النزاهة والإصغاء والتواصل، وتشجيع القيادات على الظهور في الفعاليات والحوارات المفتوحة مع الطلبة والموظفين، وعلى الاعتراف بالأخطاء حين تقع. تطوير الاتصال المؤسسي يشمل ذلك توحيد الخطاب الصادر عن الكليات والأقسام، وتفعيل القنوات الداخلية كالنشرات والاجتماعات الدورية، واستثمار الموقع الإلكتروني ومنصات التواصل في عرض إنجازات الجامعة وقصص نجاح أساتذتها وطلبتها وخريجيها، مع إتاحة المجال للمنتسبين لإيصال ملاحظاتهم. توسيع المشاركة والتمثيل
يُمثَّل الأكاديميون والطلبة والإداريون في اللجان ومجالس الأقسام والكليات، وتُتاح آليات واضحة لتقديم المقترحات مع الرد عليها. والمهم أن يرى المنتسب أثرًا فعليًا لمشاركته، فالمشاركة الشكلية تضعف الثقة أكثر من غيابها. التنشئة المؤسسية للمنتسبين الجدد تبدأ الهوية من اليوم الأول؛ فبرامج التعريف بالطلبة المستجدين وأعضاء هيئة التدريس الجدد، وتعريفهم بتاريخ الجامعة وقيمها وتقاليدها ورموزها، تضع الأساس لسلوك منسجم مع الهوية. التقدير والتكريم تكريم السلوكيات التي تجسد قيم الجامعة، كالتميز البحثي والإبداع في التدريس وخدمة المجتمع والمبادرات الطلابية، يرسل رسالة واضحة بأن الهوية تُكافأ ولا تُتلى فقط. الربط بالخريجين والمجتمع تساعد شبكات الخريجين والشراكات المجتمعية على مد الهوية إلى خارج أسوار الجامعة، وتجعل من الخريج سفيرًا حقيقيًا لها. تحديات شائعة تواجه الجامعات عادة عدة عقبات في هذا المسار، منها الفجوة بين الخطاب والممارسة، وضعف قنوات التواصل بين الإدارة والمنتسبين، والمركزية الشديدة في القرار، وتنوع المنتسبين في خلفياتهم وتوقعاتهم، وضغط العمل الأكاديمي الذي يقلل المشاركة في الأنشطة العامة. ويتطلب التعامل معها صبرًا وتدرجًا، وإدراكًا بأن بناء الهوية عملية طويلة المدى لا تظهر نتائجها في فصل دراسي واحد.كيف نقيس التقدم؟ ما لا يُقاس يصعب تحسينه. ويمكن للجامعة اعتماد استطلاع سنوي بسيط يقيس مستوى الانتماء والتماهي لدى فئاتها الثلاث، إلى جانب مؤشرات عملية مثل: نسبة المشاركة في الأنشطة واللجان والفعاليات الجامعية.مستوى رضا المنتسبين عن الاتصال الداخلي والعدالة والتقدير.
معدلات استمرار أعضاء هيئة التدريس والموظفين وحضور الخريجين. حجم الحضور الإيجابي للجامعة في الإعلام والمنصات الرقمية. وتُستثمر نتائج القياس في التخطيط الاستراتيجي وتصحيح المسار، وتُعلن للمنتسبين ليروا أن آراءهم تُحدث فرقًا. الخلاصة والتوصيات تعزيز سلوك الهوية المؤسسية في الجامعات عملية مستمرة تقوم على الاتساق والمصداقية والمشاركة، وليست حملة موسمية ولا مهمة تخص إدارة الإعلام وحدها. فالهوية تتشكل في كل قرار وتعامل وموقف، ويصنعها كل منتسب للجامعة.
وتوصي المقالة الجامعات بما يأتي: تبني سياسة مكتوبة للهوية المؤسسية تُراجع دوريًا بمشاركة أصحاب المصلحة. ربط أنظمة التقييم والحوافز بالقيم المعلنة. تدريب القيادات الجامعية على الاتصال القيمي وبناء الثقة. إنشاء وحدة أو لجنة معنية بالهوية والسمعة المؤسسية. قياس الانتماء والتماهي سنويًا وتوظيف نتائجه في التخطيط.