الأستاذ الدكتور نصيف جاسم الجبوري
مقدمة: عندما تصبح الثقة التحدي الأكبر أمام المصارف
لا تُقاس قوة النظام المصرفي بعدد المصارف العاملة فيه، ولا بحجم رؤوس أموالها وحده، بل بمدى ثقة المواطنين بقدرتها على حماية أموالهم، والوفاء بالتزاماتها، وتقديم خدمات مالية آمنة ومستقرة. ومن هنا، فإن تراجع ثقة شريحة من المواطنين العراقيين بالمصارف الحكومية والأهلية، وترددهم في فتح الحسابات المصرفية وإيداع مدخراتهم، يمثلان مشكلة اقتصادية ومؤسسية تتجاوز حدود العلاقة بين المواطن والمصرف، لتمتد آثارها إلى الاستثمار والنمو الاقتصادي والاستقرار المالي.
لقد أسهمت القيود المفروضة على تعامل بعض المصارف العراقية بالدولار الأمريكي، وما ارتبط بها من تحديات في الامتثال للمعايير الدولية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب المشكلات المالية والإدارية التي تواجه بعض المؤسسات المصرفية، في زيادة مخاوف المواطنين والتجار والمستثمرين. كما أن تعثر بعض المصارف أو ضعف قدرتها على تلبية احتياجات زبائنها، وما يرافق ذلك من قلق بشأن مصير الودائع وسهولة استردادها، يعزز الميل إلى الاحتفاظ بالأموال نقداً خارج الجهاز المصرفي.
إن جوهر المشكلة لا يتمثل في وجود قيود خارجية فحسب، بل في مدى قدرة القطاع المصرفي العراقي على بناء الثقة داخلياً، من خلال الشفافية والحوكمة والرقابة الفاعلة وحماية حقوق المودعين.
أولاً: أسباب أزمة الثقة بالمصارف العراقية
يمكن تحديد أبرز أسباب هذه الأزمة في مجموعة من العوامل المترابطة:
1. القيود والعقوبات المرتبطة بالتعاملات المالية الدولية
أدت القيود التي طالت بعض المصارف العراقية في تعاملاتها بالدولار إلى تعقيد جانب من التحويلات الخارجية وتمويل التجارة، وأثارت تساؤلات بشأن قدرة تلك المصارف على الاستمرار وتقديم خدماتها بصورة طبيعية. ومع تداول الأخبار المتعلقة بهذه القيود، قد تتسع مخاوف الجمهور لتشمل مؤسسات أخرى، حتى عندما لا تكون جميع المصارف في الوضع نفسه.
ومن الضروري التمييز بين العقوبات القانونية التي تستهدف جهات محددة، والقيود التنظيمية التي تفرضها السلطات المالية على بعض المصارف بسبب متطلبات الامتثال والرقابة. كما ينبغي ألا يُنظر إلى القيود الدولية بمعزل عن الأسباب الداخلية المتعلقة بجودة أنظمة الرقابة والشفافية والحوكمة.
2. ضعف الحوكمة والإدارة والممارسات المصرفية
تتأثر الثقة عندما لا تكون المعلومات المتعلقة بالوضع المالي للمصرف واضحة، أو عندما تتداخل المصالح الخاصة مع القرارات الائتمانية والاستثمارية، أو عندما تضعف الرقابة الداخلية وإدارة المخاطر. وتزداد المشكلة إذا شعر المودع بأن قدرته على الوصول إلى أمواله غير مضمونة عملياً، أو أن إجراءات الشكاوى واسترداد الحقوق بطيئة وغير واضحة.
ولا يعني ذلك أن جميع المصارف العراقية تعاني هذه المشكلات، وإنما يؤكد ضرورة التمييز بين المصارف القوية والملتزمة، والمؤسسات التي تحتاج إلى إعادة هيكلة أو معالجة جادة لأوضاعها.
3. تعثر بعض المصارف وضعف حماية المودعين
إن تعثر مصرف أو عجزه عن الوفاء بالتزاماته يمكن أن يترك أثراً يتجاوز زبائنه المباشرين؛ إذ قد يدفع المواطنين إلى التشكيك في سلامة القطاع كله. وتزداد هذه المخاوف عندما لا تتوافر معلومات دقيقة وسريعة عن الإجراءات المتخذة، أو عندما لا تكون آليات التعويض ومعالجة حالات التعثر واضحة ومفهومة للجمهور.
4. تفضيل التعامل النقدي وضعف الثقافة المصرفية
اعتاد كثير من العراقيين الاحتفاظ بمدخراتهم خارج المصارف، سواء بسبب تجارب سابقة أو اعتبارات اجتماعية أو ضعف الثقة بالخدمات المتاحة. كما أن محدودية بعض الخدمات المصرفية، والتفاوت في جودة الخدمات الإلكترونية، والاعتقاد بأن فتح الحساب قد يفرض أعباء إجرائية أو مالية إضافية، كلها عوامل تشجع على استمرار التعامل النقدي.
5. محدودية الدور التنموي لبعض المصارف
عندما ينحصر نشاط المصرف في خدمات محدودة، ولا يقدم تمويلاً مناسباً للمشروعات الصغيرة والمتوسطة أو المنتجات الادخارية والاستثمارية الملائمة، يصبح المواطن أقل اقتناعاً بجدوى التعامل معه. فالمصرف الذي لا يضيف قيمة حقيقية إلى حياة الأفراد ونشاط الشركات يصعب عليه بناء علاقة مستدامة معهم.
ثانياً: التداعيات الاقتصادية للعزوف عن الحسابات والودائع المصرفية
إن امتناع المواطنين عن إيداع أموالهم لا يمثل مجرد اختيار شخصي، بل تترتب عليه آثار اقتصادية مهمة.
أولاً، يؤدي بقاء الأموال خارج الجهاز المصرفي إلى إضعاف قدرته على تعبئة المدخرات وتوجيهها نحو الاستخدامات الإنتاجية. فالودائع تمثل أحد مصادر التمويل المصرفي، وإن كانت لا تتحول تلقائياً أو بالكامل إلى قروض، إذ يتوقف ذلك على كفاية رأس المال والسيولة وجودة الأصول والضوابط الرقابية والجدارة الائتمانية للمقترضين.
ثانياً، يحد ضعف الوساطة المصرفية من قدرة المصارف على تمويل المشروعات الجديدة والتوسعات الإنتاجية، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع الاعتماد على التمويل الذاتي أو الاقتراض غير الرسمي، بما يحمله من مخاطر وكلف إضافية.
ثالثاً، يؤدي اتساع التعامل النقدي إلى زيادة صعوبة تتبع التدفقات المالية، ويضعف الشفافية في النشاط الاقتصادي، ويزيد من كلفة إدارة الأموال والتحصيل والتسويات، كما قد يوسع المساحات المتاحة للأنشطة غير الرسمية والتهرب المالي.
رابعاً، تتضرر المصارف نفسها عندما تتراجع قاعدة الودائع المستقرة؛ إذ ترتفع كلفة الحصول على التمويل، وتضيق فرص التوسع في الإقراض والخدمات، وقد تتفاقم مشكلات السيولة لدى المصارف التي تعاني أصلاً ضعف الإدارة أو عدم التوازن بين مصادر الأموال واستخداماتها.
ومع ذلك، ينبغي التأكيد أن نقص الودائع ليس السبب الوحيد لمشكلات السيولة، كما أن زيادة الودائع وحدها لا تكفي لضمان سلامة المصرف؛ فالسيولة المستدامة تتطلب إدارة سليمة للأصول والالتزامات، ورأس مال كافياً، وإدارة مخاطر فعالة، وقدرة حقيقية على تحصيل المستحقات.
ثالثاً: سبل معالجة أزمة الثقة واستعادة ثقة المواطنين
إن استعادة الثقة ليست حملة إعلامية مؤقتة، ولا تتحقق بمجرد دعوة المواطنين إلى إيداع أموالهم، وإنما تتطلب إصلاحات عملية يمكن للمواطن أن يلمس نتائجها.
1. تعزيز الرقابة والإفصاح والمساءلة
يتعين على البنك المركزي العراقي تطوير الرقابة القائمة على المخاطر، والتحقق المستمر من كفاية رأس المال وجودة الأصول ومستويات السيولة والالتزام بالمعايير الدولية. كما ينبغي نشر معلومات دورية موثوقة عن سلامة المصارف، ضمن الحدود التي تحمي البيانات الحساسة، مع توضيح الإجراءات المتخذة بحق المؤسسات المخالفة دون تهويل أو غموض.
إن تطبيق معايير موحدة وشفافة على المصارف الحكومية والأهلية، بعيداً عن الانتقائية والتدخلات غير المهنية، يمثل أساساً ضرورياً لبناء الثقة.
2. حماية المودعين وتوضيح حقوقهم
ينبغي تطوير إطار واضح وفعال لحماية الودائع، وتعزيز آليات ضمانها أو تعويض أصحابها وفق تشريع نافذ وقدرات مالية مستدامة. كما يجب توضيح نطاق الحماية وحدودها وشروط الاستحقاق، وعدم تقديم وعود غير مضمونة بشأن استرداد الأموال.
ومن المهم إنشاء آليات سريعة وفعالة لتلقي شكاوى المودعين وتسويتها، وإلزام المصارف بالإفصاح عن الرسوم والشروط والقيود التي تؤثر في استخدام الحسابات وسحب الأموال وتحويلها.
3. معالجة أوضاع المصارف المتعثرة بحزم وعدالة
يتطلب الإصلاح عدم السماح باستمرار المؤسسات غير القادرة على الوفاء بالمتطلبات الرقابية دون معالجة. وينبغي تطبيق مسارات واضحة لإعادة الهيكلة أو الاندماج أو الخروج المنظم من السوق، وفق تقييم مهني مستقل، مع إعطاء الأولوية لحماية حقوق المودعين ومنع انتقال المخاطر إلى بقية القطاع.
ويجب أن يتحمل المساهمون والإدارات المسؤوليات التي يحددها القانون، وألا تتحول حماية الاستقرار المالي إلى إعفاء من المساءلة.
4. تسوية تحديات التعاملات الدولية
ينبغي أن تتعاون الحكومة والبنك المركزي والمصارف مع الجهات المالية الدولية لمعالجة أسباب القيود المفروضة على بعض المؤسسات، عبر تعزيز الامتثال، وتطوير أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتحسين إجراءات التعرف على الزبائن والمستفيدين الحقيقيين، وتدقيق التحويلات ومصادر الأموال.
فالاندماج في النظام المالي الدولي لا يتحقق بالمطالبات السياسية وحدها، بل ببناء مؤسسات تلتزم بالقواعد وتثبت قدرتها على إدارة المخاطر بشفافية وكفاءة.
5. تطوير الخدمات الرقمية وتقليل كلفة التعامل المصرفي
إن توفير تطبيقات مصرفية آمنة وسهلة الاستخدام، وخدمات تحويل ودفع إلكتروني موثوقة، وإجراءات مبسطة لفتح الحسابات، يمكن أن يشجع المواطنين على الانتقال التدريجي من التعامل النقدي إلى التعامل المصرفي. ويجب أن يصاحب ذلك تعزيز الأمن السيبراني، وحماية البيانات الشخصية، وسرعة معالجة الأعطال والشكاوى.
كما ينبغي تصميم خدمات تناسب أصحاب الدخول المحدودة والمتقاعدين وأصحاب المشروعات الصغيرة، مع الإفصاح عن الرسوم وتجنب الأعباء غير المبررة.
6. تحويل الودائع إلى تمويل منتج
لن تستدام الثقة إذا لم يشعر المواطن بأن أمواله تسهم في دعم الاقتصاد وتعود عليه بمنفعة مشروعة. لذلك، ينبغي توسيع التمويل المسؤول للمشروعات الإنتاجية، وتطوير منتجات ادخارية وتمويلية متنوعة، وتحسين تقييم الجدارة الائتمانية، والحد من التركيز على التمويل المرتبط بالعلاقات أو الضمانات التقليدية وحدها.
إن المصارف التي تمول الإنتاج وتدعم المشروعات القادرة على خلق فرص العمل تصبح شريكاً في التنمية، لا مجرد وسيط لتنفيذ التحويلات.
7. تعزيز الثقافة المصرفية والشفافية الإعلامية
تحتاج الجهات الرسمية والمصارف والجامعات ووسائل الإعلام إلى التعاون في نشر الثقافة المالية، وتوضيح الفرق بين المصرف المرخص والمصرف المتعثر، وبين القيود على بعض التعاملات الدولية وبين سلامة الودائع المحلية، مع تجنب التطمينات المطلقة والشائعات غير المستندة إلى أدلة.
فالثقة لا تُبنى بإخفاء المشكلات، بل بعرض الحقائق بوضوح وشرح الإجراءات التي تعالجها.
رابعاً: مسؤولية مشتركة ومستقبل قابل للإصلاح
إن مسؤولية استعادة الثقة لا تقع على جهة واحدة. فالحكومة مطالبة بدعم الإصلاح المؤسسي، والبنك المركزي مسؤول عن الرقابة والاستقرار وحماية النظام المالي ضمن صلاحياته، والمصارف مطالبة بتحسين الإدارة والشفافية وجودة الخدمات، أما المواطن فله الحق في المعلومات الواضحة والمعاملة العادلة وآليات فعالة لحماية أمواله.
ويجب أن يترافق إصلاح المصارف الحكومية مع إصلاح القطاع الأهلي، بما يحقق المنافسة العادلة، ويرفع كفاءة الخدمات، ويحد من الاعتماد المفرط على النقد. كما ينبغي أن تكون نتائج الإصلاح قابلة للقياس، من خلال مؤشرات مثل نمو الحسابات النشطة، واستقرار الودائع، وانخفاض الشكاوى المتكررة، وتحسن جودة الخدمات، وتوسع التمويل المنتج، وزيادة الثقة التي يقيسها استطلاع مستقل.
خاتمة: الثقة هي رأس المال الحقيقي للمصارف
إن أزمة الثقة بالمصارف العراقية ليست مشكلة مصرفية ضيقة، بل قضية تمس مستقبل الاقتصاد الوطني وقدرته على تعبئة المدخرات وتمويل الاستثمار وتنويع مصادر النمو. ولا يمكن معالجة هذه القضية بإلقاء المسؤولية على العقوبات الخارجية وحدها، أو مطالبة المواطنين بإيداع أموالهم دون توفير ضمانات وممارسات موثوقة؛ فالمعالجة الحقيقية تبدأ من إصلاح المؤسسات، وحماية المودعين، وتطبيق القانون، وتعزيز الشفافية، وتطوير الخدمات، وتسوية تحديات التعاملات الدولية.
إن المواطن لا يحتاج إلى خطاب يطالبه بالثقة بقدر حاجته إلى أدلة عملية تثبت أنه يستطيع إيداع أمواله والوصول إليها وفق شروط واضحة، وأن حقوقه مصانة، وأن المصرف الذي يتعامل معه يخضع لرقابة جادة ومساءلة حقيقية.
وعندما تصبح الثقة نتيجة للإصلاح لا شعاراً إعلامياً، يمكن للمدخرات أن تعود إلى القنوات المصرفية، وأن تتحول من أموال معطلة خارج النظام المالي إلى مورد يدعم الاستثمار والإنتاج وفرص العمل. عندها فقط يستطيع القطاع المصرفي أن يؤدي دوره بوصفه أحد الأعمدة الأساسية لبناء اقتصاد عراقي أكثر استقراراً وكفاءة واستدامة.