تعيش الكائنات الحية ضمن بيئات تتغير فيها درجات الحرارة وكميات المياه وتوافر الغذاء، وتعتمد قدرتها على البقاء على كيفية استجابتها لهذه الظروف. ومع التغير المناخي، تواجه أنواع عديدة تحديات ترتبط بارتفاع الحرارة وتغير أنماط الأمطار وزيادة بعض الظواهر المناخية المتطرفة. وتتنوع استجاباتها بين تغيرات سلوكية ووظيفية، وانتقال إلى مناطق أكثر ملاءمة، وتكيفات وراثية قد تظهر عبر الأجيال. ومن المهم التمييز بين التأقلم والتكيف التطوري؛ فالتأقلم هو تغير يحدث خلال حياة الكائن استجابةً للبيئة، وقد يكون قابلًا للعكس، بينما ينشأ التكيف التطوري من تغيرات وراثية في الجماعات عبر أجيال متعاقبة بفعل الانتقاء الطبيعي. ولا تختار الكائنات اكتساب صفات وراثية جديدة عند الحاجة، بل قد تكون بعض الاختلافات الموجودة بينها أكثر ملاءمة للظروف المتغيرة، مما يزيد فرص بقاء أصحابها وتكاثرهم. ويُعد تغيير السلوك من الاستجابات التي يمكن أن تحدث بسرعة نسبيًا، إذ قد تتحول بعض الحيوانات إلى النشاط في ساعات أبرد أو تبحث عن الظل والملاجئ لتقليل تعرضها للحرارة. كما يمكن أن تغير أماكن بحثها عن الغذاء أو توقيت نشاطها بحسب الظروف المحلية. وتستطيع بعض الكائنات تعديل وظائفها الداخلية ضمن حدود معينة، مثل تنظيم فقد الماء وإنتاج بروتينات تساعد على حماية الخلايا من الإجهاد الحراري. لكن هذه الاستجابات تستهلك موارد، وقد تؤثر في النمو أو التكاثر، لذلك لا تعني قدرة الكائن على التأقلم أنه لا يتضرر. وفي النباتات، يساعد تنظيم فتح الثغور وإغلاقها على تحقيق توازن بين الحصول على ثاني أكسيد الكربون والمحافظة على الماء. وقد يؤدي إغلاقها أثناء الجفاف إلى تقليل فقد الماء، لكنه يحد أيضًا من البناء الضوئي. وتؤثر صفات مثل عمق الجذور وطبيعة الأوراق في تحمل الظروف الصعبة، مع اختلاف فائدتها بحسب النوع والبيئة. ومن الاستجابات الأخرى تغير مواعيد الإزهار والتكاثر والهجرة، إذ تؤثر الحرارة والإشارات الموسمية في توقيت هذه الأحداث. وقد تنشأ مشكلة عندما تتغير استجابة نوع أسرع من نوع آخر يعتمد عليه، مثل عدم توافق فترة الإزهار مع نشاط الملقحات أو موعد تكاثر الطيور مع وفرة الغذاء. ويمكن لبعض الأنواع أن توسع انتشارها نحو مناطق أبرد أو ارتفاعات أعلى، غير أن قدرتها على الانتقال قد تعوقها المدن والطرق وتجزؤ المواطن الطبيعية. كما أن الانتقال لا يضمن النجاح، لأن البيئة الجديدة قد تفتقر إلى الغذاء المناسب أو تضم منافسين ومفترسات مختلفة. وفي البيئات المائية، تؤثر تغيرات الحرارة والأكسجين وكيمياء المياه في الكائنات، وتختلف قدرتها على التحمل بحسب خصائصها ومراحل حياتها. وتوضح الشعاب المرجانية حدود هذه القدرة، إذ قد يؤدي الإجهاد الحراري إلى فقد الطحالب التكافلية المرتبطة بها وحدوث الابيضاض. وقد تتعافى بعض الشعاب إذا تحسنت الظروف، بينما يزيد استمرار الإجهاد من احتمال تدهورها. ويُعد التنوع الوراثي عاملًا مهمًا في فرص التكيف، لأنه يوفر اختلافات يمكن أن يعمل عليها الانتقاء الطبيعي، لكنه لا يضمن مواكبة التغير السريع. كما تكون بعض الأنواع طويلة العمر أو محدودة الانتشار أكثر عرضة للصعوبات عندما تتجاوز سرعة التغير قدرتها على الاستجابة. وتساعد حماية المواطن الطبيعية وربطها والمحافظة على التنوع الحيوي وتقليل التلوث في دعم قدرة الأنظمة البيئية على مواجهة الضغوط. ومع ذلك، فإن هذه الإجراءات تتكامل مع الحد من مسببات التغير المناخي. وتكشف دراسة التأقلم والتكيف عن مرونة الحياة وحدودها في الوقت نفسه، وتؤكد أن بقاء الكائنات يعتمد على تفاعل صفاتها مع سرعة التغير وتوافر الموارد وسلامة البيئة المحيطة.
جامعة المستقبل الاولى على الجامعات العراقية الأهلية