م.م كرار محمد سماوي
يمثل مضيق هرمز واحداً من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، ليس بسبب موقعه الجغرافي فحسب، وإنما لما يؤديه من دور محوري في حركة تجارة النفط والغاز العالمية. فهو يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، ويشكل منفذاً رئيساً لصادرات الطاقة لعدد من الدول المنتجة للنفط. وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن تدفقات النفط عبر المضيق بلغت نحو 20.9 مليون برميل يومياً خلال النصف الأول من عام 2025، بما يعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية ونحو ربع تجارة النفط البحرية عالمياً.
وتكتسب هذه الأهمية بعداً أكثر حساسية بالنسبة إلى العراق، نظراً إلى الارتباط الوثيق بين اقتصاده وقطاع النفط، واعتماد جزء كبير من صادراته النفطية على المنافذ الجنوبية في الخليج العربي، ومن ثم تأثرها بدرجة كبيرة بسلامة الملاحة في مضيق هرمز. لذلك فإن التوترات السياسية والأمنية المحيطة بالمضيق لا تمثل بالنسبة للعراق أزمة جغرافية بعيدة، وإنما يمكن أن تتحول بصورة مباشرة إلى مخاطر اقتصادية ومالية وتجارية.
أولاً: مضيق هرمز في معادلة الصراع الجيوسياسي
تنبع الأهمية الجيوسياسية للمضيق من كونه نقطة التقاء بين المصالح الإقليمية والدولية؛ إذ تتداخل فيه مصالح الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، إلى جانب المصالح الأمنية والعسكرية للقوى الدولية والإقليمية. ولذلك فإن تصاعد الخلافات السياسية أو المواجهات العسكرية في المنطقة ينعكس سريعاً على حركة السفن وأسواق النفط وتكاليف التأمين والنقل البحري.
ولا يشترط أن يصل التوتر إلى الإغلاق الكامل للمضيق حتى تظهر آثاره الاقتصادية؛ فمجرد ارتفاع احتمالات التعرض للسفن أو تعطل الملاحة يمكن أن يدفع شركات الشحن والتأمين إلى إعادة تقييم المخاطر ورفع الأسعار أو تقليص العمليات. وقد أظهرت تطورات عام 2026 مدى حساسية حركة النقل البحري لهذه المخاطر، مع تراجع كبير في حركة السفن مقارنة بمستويات ما قبل التصعيد.
ومن هنا يتحول مضيق هرمز من مجرد ممر مائي إلى إحدى أدوات التأثير في أمن الطاقة العالمي، لأن أي اضطراب فيه يمكن أن يؤثر في جانبي العرض والأسعار في الوقت نفسه، ويخلق موجات من عدم اليقين في الأسواق الدولية.
ثانياً: العراق ومخاطر الاعتماد على منفذ التصدير الجنوبي
تظهر حساسية الاقتصاد العراقي بصورة أوضح عند النظر إلى هيكل صادراته النفطية. فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تجاوز متوسط الصادرات العراقية من النفط الخام المنقولة بحراً 3.2 مليون برميل يومياً خلال عام 2024، وكانت الصادرات البحرية في ذلك العام تُشحن من الموانئ الجنوبية الواقعة في الخليج العربي. كما استحوذت الأسواق الآسيوية على نحو 72% من صادرات النفط الخام العراقية، وفي مقدمتها الصين والهند وكوريا الجنوبية.
ويعني ذلك أن أمن الممرات البحرية لا ينفصل عن الأمن الاقتصادي العراقي. فكلما ارتفع اعتماد الدولة على طريق تصديري رئيس واحد، ارتفعت درجة تعرض الإيرادات العامة للصدمات السياسية والأمنية المرتبطة بهذا الطريق.
وقد كشفت اضطرابات عام 2026 بصورة عملية حجم هذه الحساسية؛ إذ تراجعت الصادرات العراقية خلال فترات الاضطراب، ثم ارتفعت في أغسطس/آب 2026 إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً بعد تحسن نسبي في إمكانات الشحن والعبور، لكنها بقيت دون مستويات ما قبل التصعيد التي تجاوزت 3.3 ملايين برميل يومياً.
ثالثاً: انعكاسات التوترات على الاقتصاد العراقي
يأتي الأثر الأول والأكثر مباشرة عبر الإيرادات النفطية. فالاقتصاد العراقي لا يزال يعتمد بدرجة مرتفعة على النفط في تمويل المالية العامة؛ وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الإيرادات النفطية ستظل تمثل أكثر من 90% من الإيرادات الحكومية على المدى المتوسط وفق تقديرات تقريره لعام 2025.
وبالتالي فإن انخفاض كميات النفط المصدرة نتيجة اضطراب الملاحة قد يؤدي إلى انخفاض الإيرادات حتى في حالة ارتفاع الأسعار العالمية. وهنا تظهر مفارقة مهمة: فالتوترات في مضيق هرمز قد تدفع أسعار النفط عالمياً إلى الارتفاع، وهو ما يبدو إيجابياً للدول المصدرة، إلا أن العراق قد لا يستفيد بصورة كاملة من هذا الارتفاع إذا تعذر عليه تصدير الكميات المخططة أو ارتفعت تكاليف إيصال النفط إلى الأسواق.
أما الأثر الثاني فيتمثل في ارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري. ففي سبتمبر/أيلول 2026 برزت زيادة كبيرة في تكاليف شحن النفط العراقي في ظل الاضطرابات الإقليمية وتعطل الملاحة، مع خلاف حول الأسباب المباشرة للزيادة، بينما عُدَّت المخاطر الأمنية واضطراب حركة الملاحة من العوامل الرئيسة المؤثرة في تكاليف النقل.
ويتمثل الأثر الثالث في الموازنة العامة. فكل انخفاض مستمر في صافي الإيرادات النفطية ينعكس على قدرة الحكومة على تمويل النفقات الجارية والاستثمارية وهذه الحساسية مرتفعة أصلاً؛ إذ أشار صندوق النقد الدولي إلى أن سعر النفط اللازم لتحقيق التوازن في الموازنة العراقية ارتفع إلى نحو 84 دولاراً للبرميل في عام 2024 مقارنة بنحو 54 دولاراً في عام 2020.
أما الأثر الرابع فيرتبط بـ التجارة الخارجية والأسعار المحلية. فاضطراب الملاحة البحرية لا يقتصر على صادرات النفط، وإنما قد يمتد إلى حركة السلع المستوردة وتكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد. وفي اقتصاد يعتمد على الاستيراد لتلبية جانب مهم من الطلب المحلي، يمكن أن تنتقل الزيادة في التكاليف الخارجية تدريجياً إلى أسعار السلع في السوق المحلية.
رابعاً: أمن الطاقة بوصفه جزءاً من الأمن الاقتصادي العراقي
تكشف أزمة مضيق هرمز أن مفهوم أمن الطاقة بالنسبة إلى العراق ينبغي ألا يقتصر على امتلاك الاحتياطيات النفطية أو زيادة الإنتاج، بل يجب أن يشمل أيضاً القدرة على إيصال النفط بصورة آمنة ومستقرة ومتنوعة إلى الأسواق العالمية.
فامتلاك احتياطيات كبيرة وقدرات إنتاجية مرتفعة لا يحقق الأمن الاقتصادي بصورة كاملة إذا كانت منافذ التصدير معرضة لصدمات جيوسياسية لا يمتلك العراق السيطرة المباشرة عليها. ومن هنا تظهر أهمية تنويع طرق تصدير النفط وتقليل الاعتماد المفرط على مسار جغرافي واحد.
وقد دفعت اضطرابات 2026 العراق بالفعل إلى البحث عن توسيع خياراته الشمالية؛ ففي سبتمبر/أيلول بدأ تشغيل تجريبي لنقل النفط من الحقول الجنوبية باتجاه كركوك بهدف دعم التصدير عبر ميناء جيهان التركي، إلا أن القدرات اللوجستية الحالية ما تزال محدودة مقارنة بحجم الصادرات الجنوبية.
خامساً: خيارات العراق لمواجهة المخاطر
تتطلب مواجهة هذه التحديات رؤية استراتيجية طويلة الأجل تقوم على مجموعة من المسارات المتكاملة، في مقدمتها تنويع منافذ تصدير النفط وعدم الاعتماد بصورة شبه كاملة على المسار الجنوبي، والعمل على تطوير خطوط الأنابيب باتجاه منافذ بديلة عندما تكون مجدية اقتصادياً وسياسياً.
كما ينبغي زيادة قدرات التخزين النفطي الاستراتيجي وتطوير البنية التحتية للموانئ وخطوط الأنابيب الداخلية، بما يمنح العراق مرونة أكبر في التعامل مع حالات التعطل المؤقت للصادرات.
وفي الجانب الاقتصادي، تبرز الحاجة إلى تسريع عملية تنويع مصادر الإيرادات العامة. فالمشكلة لا تتمثل في مضيق هرمز وحده، وإنما في أن أي صدمة تصيب قطاع النفط تنتقل بسرعة إلى الموازنة والإنفاق والنشاط الاقتصادي بسبب ارتفاع الاعتماد على الإيرادات النفطية. وقد أكد صندوق النقد الدولي أهمية زيادة الإيرادات غير النفطية وتعزيز نمو القطاع الخاص لمعالجة هذه الهشاشة الهيكلية.
الخاتمة
إن التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز تقدم للعراق درساً يتجاوز حدود الأزمة الأمنية الآنية، يتمثل في ضرورة إعادة النظر في مفهوم الأمن الاقتصادي وأمن الطاقة بوصفهما منظومة متكاملة تشمل الإنتاج والتصدير والنقل والتخزين وتنويع الإيرادات والأسواق.
فالعراق يمتلك قاعدة نفطية كبيرة، إلا أن ارتفاع الاعتماد على الإيرادات النفطية وتركيز جانب كبير من الصادرات عبر الممر البحري الجنوبي يجعلان الاقتصاد أكثر حساسية للصدمات الجيوسياسية في منطقة الخليج. ومن ثم فإن استدامة الأمن الاقتصادي العراقي تتطلب الانتقال تدريجياً من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء منظومة استباقية لإدارة المخاطر.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال تنويع منافذ تصدير النفط، وتطوير البنية التحتية للنقل والتخزين، وتعزيز البدائل التصديرية، وتكوين هوامش مالية قادرة على امتصاص الصدمات، فضلاً عن تنمية الإيرادات غير النفطية وتنويع القاعدة الإنتاجية. وبهذه الأدوات يستطيع العراق تقليل انتقال الأزمات الجيوسياسية الخارجية إلى الموازنة والاقتصاد المحلي، وتعزيز قدرته على حماية موارده واستدامة أمنه الاقتصادي في بيئة إقليمية ودولية متغيرة.
هذه النسخة مناسبة مباشرة للنشر في الموقع الإلكتروني للقسم. ويمكنني أيضاً إعداد نسخة أقصر وأكثر صحفية، بحدود 700–900 كلمة، مع وضع اسم الكاتب وصفته الأكاديمية في المقدمة لتكون جاهزة للنشر الرسمي.