اعداد الدكتور امجد حميد مجيد
يمر الاقتصاد العراقي، حتى أيلول/سبتمبر 2026، بمرحلة دقيقة تجمع بين ضغوط داخلية تراكمت على مدى سنوات وصدمات خارجية مرتبطة بأسواق النفط والتوترات الإقليمية وتعطل طرق التصدير. والمشكلة الأساسية لا تكمن في أن العراق بلد قليل الموارد؛ بل في أن هيكل الاقتصاد ما يزال شديد الارتباط بالنفط، في وقت لم يصل فيه القطاع الخاص والإيرادات غير النفطية إلى مستوى يسمح بامتصاص الصدمات.
تشير بيانات البنك الدولي إلى أن النفط مثّل في عام 2025 نحو 53% من الناتج المحلي الحقيقي، و88% من الإيرادات الحكومية، و91% من صادرات السلع. وهذه النسب توضح حجم المخاطرة: أي انخفاض في إنتاج النفط أو سعره أو القدرة على تصديره ينتقل بسرعة إلى الموازنة والإنفاق الحكومي والاستثمار وحركة السوق. من الوفرة النفطية إلى ضغط السيولة تعرض الاقتصاد العراقي خلال 2026 إلى ضغط إضافي بسبب الاضطرابات الإقليمية وصعوبة حركة الصادرات عبر مضيق هرمز. وفي آب/أغسطس 2026 ارتفعت صادرات النفط العراقية إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً مقارنة بنحو 1.35 مليون برميل يومياً في تموز، لكنها بقيت أدنى من مستويات ما قبل الاضطرابات التي تجاوزت 3.3 ملايين برميل يومياً. وهذا التحسن مهم، لكنه يوضح في الوقت نفسه مدى اعتماد المالية العامة على استمرارية منفذ تصديري واحد تقريباً.
كما أن الصورة المستقبلية ما زالت شديدة التقلب. صندوق النقد الدولي أشار في تحديثاته خلال 2026 إلى أن العراق من الاقتصادات المنتجة للسلع الأكثر تأثراً باضطراب إنتاج الطاقة ونقلها في المنطقة، فيما تعرضت توقعات النمو الإقليمي لمراجعات كبيرة بسبب استمرار اضطرابات مضيق هرمز. ومع ذلك، لا تعني هذه الضغوط أن العراق يواجه بالضرورة أزمة احتياطيات أجنبية فورية. فقد أكد البنك المركزي العراقي في 19 أيلول 2026 أن احتياطياته الأجنبية كافية لتلبية الطلبات الخاصة بتمويل التجارة الخارجية والبطاقات والمسافرين وفق القنوات الرسمية، وأرجع جانباً من ارتفاع سعر الصرف في السوق المحلية إلى المضاربات والتوقعات المرتبطة بالظروف الجيوسياسية. الخلل الأكبر في المالية العامة القضية الأكثر تعقيداً هي ارتفاع النفقات الثابتة مقابل محدودية الإيرادات غير النفطية. صندوق النقد الدولي حذر في تقييمه للعراق من أن التوسع المالي في السنوات الماضية رفع درجة تعرض الموازنة لانخفاض أسعار النفط، وأشار إلى أن سعر النفط اللازم لمعادلة الموازنة ارتفع إلى نحو 84 دولاراً للبرميل في 2024 مقارنة بنحو 54 دولاراً في 2020. كما شدد على أن نمو فاتورة الأجور والتحويلات مع ضعف الإيرادات غير النفطية يضغط على الاستدامة المالية. هذا يعني أن ارتفاع أسعار النفط قد يخفف الأزمة مؤقتاً، لكنه لا يحل المشكلة الهيكلية. فعندما ترتفع الأسعار تتوسع قدرة الدولة على الإنفاق، وعندما تنخفض أو تتراجع الصادرات تظهر مشكلات السيولة وتأخير المشاريع وضغوط التمويل. ولهذا فإن السؤال الاقتصادي الحقيقي ليس: كم يبلغ سعر النفط اليوم؟ بل: كم يستطيع العراق تمويل دولته واقتصاده إذا انخفضت إيرادات النفط بصورة مفاجئة؟
البطالة والقطاع العام المشكلة الثانية هي سوق العمل. بلغ معدل البطالة الكلي المقدر للعراق نحو 15.5% في 2025 وفق بيانات البنك الدولي، بينما بلغ معدل بطالة الشباب بين 15 و24 عاماً نحو 32%. ولا يستطيع القطاع الحكومي الاستمرار إلى ما لا نهاية بوصفه المصدر الرئيسي للوظائف. وفي المقابل، لا يزال القطاع الخاص محدود القدرة على استيعاب مئات الآلاف من الداخلين الجدد إلى سوق العمل سنوياً. البنك الدولي نفسه يشير إلى أن الشباب يشكلون كتلة سكانية كبيرة، بينما تظل قدرة القطاع الخاص على خلق الوظائف محدودة. ومن هنا تنشأ حلقة اقتصادية صعبة: المواطن يبحث عن الوظيفة الحكومية لأنها أكثر استقراراً، والدولة تزيد التوظيف، فتزداد النفقات التشغيلية، وتقل المساحة المالية للاستثمار، ويبقى القطاع الخاص ضعيفاً، فيزداد الإقبال مرة أخرى على الوظيفة الحكومية. كيف يمكن الخروج من الأزمة؟ الخروج من هذه الدائرة لا يحتاج إلى إجراء واحد، بل إلى برنامج اقتصادي يمتد عدة سنوات ويعالج المالية العامة والإنتاج والقطاع الخاص والمصارف والطاقة بصورة متزامن .حماية الإنفاق الضروري بدلاً من التخفيض العشوائي. عند تراجع الإيرادات، تكون الأولوية للرواتب الأساسية وشبكات الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والاستثمارات المنتجة، مع مراجعة النفقات الأقل أولوية. صندوق النقد دعا بالفعل إلى تحسين كفاءة الإنفاق وضبط النفقات الجارية مع حماية الإنفاق الاجتماعي والاستثماري الضروري. زيادة الإيرادات غير النفطية دون خنق النشاط الاقتصادي. الإصلاح لا يعني فرض ضرائب عشوائية، وإنما بناء إدارة ضريبية وجمركية رقمية أكثر كفاءة، وتقليل التهرب والتسرب، وتوسيع القاعدة الضريبية بصورة تدريجية.صندوق النقد أشار تحديداً إلى أهمية زيادة الإيرادات غير النفطية وتحسين الجمارك والضرائب الانتقائية. إعادة هيكلة فاتورة الوظيفة العامة تدريجياً. الحل ليس تسريح الموظفين بصورة مفاجئة، وإنما الحد من توسع التعيينات غير الضرورية، وإجراء تخطيط حقيقي للقوى العاملة، وربط التوظيف بالحاجة والإنتاجية، مع تحويل جزء أكبر من خلق الوظائف إلى القطاع الخاص. جعل القطاع الخاص قادراً على المنافسة. يحتاج المستثمر العراقي إلى بيئة يستطيع فيها تأسيس شركة، والحصول على التمويل، واستيراد المعدات، وتنفيذ العقود وحماية حقوقه دون تكاليف إدارية مبالغ فيها. الإصلاحات التي تدعم المنافسة وتقلل العوائق أمام الشركات يمكن أن تحول الدولة تدريجياً من "رب العمل الأكبر" إلى منظم ومحفز للاقتصاد. إصلاح القطاع المصرفي. من الصعب بناء اقتصاد خاص قوي في ظل نظام مصرفي لا يحول المدخرات بكفاءة إلى قروض واستثمارات. وقد أكد صندوق النقد أهمية إعادة هيكلة المصارف الحكومية الكبرى وتحديث القطاع المصرفي وتعزيز علاقاته بالمصارف المراسلة الدولية.تحويل الطاقة من عبء إلى قطاع إنتاجي. العراق منتج كبير للنفط، لكنه ما زال يعاني من نقص الكهرباء والغاز، وهو تناقض اقتصادي مكلف. الاستثمار في استغلال الغاز المصاحب، وتوسيع قدرات التوليد والنقل، وتقليل الضائعات، والطاقة الشمسية يمكن أن يخفض كلفة الإنتاج على المصانع والمزارع والخدمات. البنك الدولي يضع نقص الكهرباء والمياه ضمن العوامل التي أضعفت نمو الاقتصاد غير النفطي. إعطاء الأولوية للصناعة والزراعة والخدمات القابلة للتصدير. التنويع الاقتصادي لا يعني إلغاء النفط، بل استخدام عائداته لبناء مصادر دخل إضافية. الصناعات الغذائية والبتروكيمياويات والأسمدة ومواد البناء والزراعة الحديثة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والسياحة الدينية والثقافية يمكن أن توفر وظائف وقيمة مضافة محلية إذا توافرت البنية التحتية والتمويل. إنشاء سياسة مالية مضادة لتقلبات النفط. عندما ترتفع أسعار النفط، يمكن توجيه جزء من الإيرادات الاستثنائية إلى احتياطي أو صندوق استقرار مالي بدلاً من تحويلها كلها إلى التزامات إنفاق دائمة. وعندما تنخفض الأسعار، يستخدم هذا الاحتياطي لتخفيف الصدمة. هذه الآلية تقلل ارتباط الإنفاق الحكومي بالتغير اليومي في سوق النفط .معالجة البطالة عبر المهارات وليس التعيين وحده. هناك حاجة إلى ربط الجامعات والمعاهد بسوق العمل وبرامج التدريب المهني وريادة الأعمال. ومنظمة العمل الدولية بدأت بالفعل بالتعاون مع المؤسسات العراقية في برامج وطنية لدعم البحث عن العمل وربط الشباب باحتياجات سوق العمل، وهو اتجاه يمكن توسيعه. العراق لا يحتاج إلى الاستغناء عن النفط بل إلى الاستفادة منه بصورة مختلفة من غير الواقعي الحديث عن اقتصاد عراقي "ما بعد النفط" في المدى القريب. النفط سيبقى المصدر الأهم للدخل لسنوات، ولذلك فإن الهدف الأكثر واقعية هو الانتقال من اقتصاد يعتمد على النفط لتمويل الاستهلاك الجاري إلى اقتصاد يستخدم النفط لتمويل بناء أصول وقطاعات منتجة. فالفرق كبير بين إنفاق مليار دولار إضافي على التزامات تشغيلية دائمة، وبين استثماره في شبكة كهرباء أو مشروع غاز أو منطقة صناعية أو نظام نقل أو بنية رقمية تستطيع أن تولد دخلاً وفرص عمل لسنوات. الخلاصة الأزمة الاقتصادية في العراق ليست أزمة نقص ثروة، وإنما مشكلة اعتماد مفرط على مورد واحد، وارتفاع النفقات الثابتة، وضعف مساهمة القطاع الخاص والإيرادات غير النفطية، ومحدودية خلق فرص العمل المنتجة. وفي عام 2026 أظهرت التطورات الإقليمية مرة أخرى مدى سرعة انتقال أي اضطراب في تصدير النفط إلى بقية الاقتصاد.
ولا يوجد حل سريع يمكنه معالجة هذه الاختلالات خلال أشهر. لكن مساراً يجمع بين ضبط المالية العامة، وحماية الاستثمار والخدمات، وإصلاح المصارف، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وتطوير الطاقة والقطاع الخاص، يمكن أن يجعل الاقتصاد العراقي أكثر قدرة على تحمل صدمات النفط ويخلق وظائف خارج الجهاز الحكومي.
والهدف في النهاية ليس تقليل أهمية النفط لمجرد تقليلها، بل تحويل الثروة النفطية من مصدر لتمويل الدولة إلى قاعدة لبناء اقتصاد يستطيع الاستمرار حتى عندما تتراجع إيرادات النفط.