شهد الطب خلال العقود الأخيرة تحولًا جذريًا من نُهج العلاج التقليدية القائمة على التجربة والخطأ إلى نهج أكثر دقة وشخصية يُعرف بـ«الطب المخصص» (Precision Medicine). ويركز هذا المجال الحديث على تحليل التركيب الجيني للمريض، إلى جانب بيئته ونمط حياته، لتصميم استراتيجيات وقائية وعلاجية مخصصة لكل فرد على حدة. أولًا: ما هو الطب المخصص؟ في الطب التقليدي، يتلقى معظم المرضى الذين يعانون من المرض نفسه، مثل سرطان الرئة أو التهاب المفاصل، بروتوكول العلاج القياسي (Standard of Care). ومع ذلك، يلاحظ الأطباء تفاوتًا كبيرًا في استجابة المرضى للعلاج؛ إذ يستجيب البعض له بصورة جيدة، بينما لا يشعر آخرون بأي تحسن أو يعانون من آثار جانبية حادة. ويعود هذا التفاوت بشكل أساسي إلى الاختلافات الدقيقة في الحمض النووي (DNA). ويهدف الطب المخصص إلى فهم هذه الاختلافات واستخدام مفاهيم علم الصيدلة الجيني (Pharmacogenomics) لتحديد الدواء الأكثر ملاءمة والجرعة المثلى لكل مريض. ثانيًا: التطبيقات الطبية الحديثة : تُعد الأورام الخبيثة من أبرز مجالات تطبيق الطب المخصص، إذ أصبح من الممكن إجراء التسلسل الجيني للأورام بدلًا من تحديد العلاج بناءً على العضو المصاب فقط، كما هو شائع في حالات سرطان الثدي أو القولون، وذلك من خلال تحليل الطفرات الجينية داخل الخلايا السرطانية نفسها. كما تُستخدم العلاجات الموجهة، مثل عقار Trastuzumab، لعلاج المريضات المصابات بسرطان الثدي الإيجابي لجين HER2، مما يسهم في زيادة فعالية العلاج وتقليل تأثيره في الخلايا السليمة. وفي مجال الأمراض الوراثية النادرة، تتيح تقنيات تسلسل الجيل القادم (NGS - Next-Generation Sequencing) تشخيص أمراض كانت تتطلب سابقًا سنوات من الفحوصات غير الحاسمة. ويمكن حاليًا الكشف عن أسباب بعض اضطرابات التمثيل الغذائي والضمور العضلي خلال أسابيع معدودة، مما يتيح البدء بالعلاج باستخدام العلاجات الجينية أو الأدوية الموجهة. أما في أمراض القلب والأوعية الدموية، فيساعد التحليل الجيني في تحديد استجابة المرضى لبعض الأدوية. فعلى سبيل المثال، يتأثر استقلاب دوائي Warfarin وClopidogrel بإنزيمات كبدية تنتجها جينات محددة، مثل CYP2C9 وCYP2C19، مما يساعد الطبيب على اختيار الجرعة والاستراتيجية العلاجية الأكثر ملاءمة وتقليل مخاطر النزيف أو التجلط. ثالثًا: التحديات والعقبات المستقبلية : على الرغم من الأفق الواعد للطب المخصص، فإنه يواجه عدة تحديات رئيسية، من أبرزها ارتفاع تكلفة الفحوصات الجينية المتقدمة والأدوية البيولوجية الموجهة مقارنة بالعلاجات التقليدية. كما تمثل إدارة البيانات الضخمة (Big Data) تحديًا مهمًا، إذ يتطلب تحليل مليارات القواعد النيتروجينية في DNA قدرات حسابية متقدمة، إلى جانب استخدام الذكاء الاصطناعي والخوارزميات المعقدة لتفسير البيانات الجينية. وتبرز كذلك قضايا الأخلاقيات والخصوصية، إذ تتطلب حماية البيانات الجينية للمرضى أطرًا قانونية صارمة لمنع استغلالها أو الوصول غير المصرح به إليها أو تسريبها. يمثل الطب المخصص حقبة جديدة في مجال الرعاية الصحية، إذ ينقل الممارسة الطبية من مجرد الاستجابة للمرض إلى الوقاية والعلاج الموجه بعناية وفق الخصائص الفردية للمريض. ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وانخفاض تكاليف تحليل الجينوم، من المتوقع أن يصبح هذا النهج أحد المعايير الأساسية للممارسة الطبية في المستقبل القريب. جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق