المدرس المساعد علي يوسف ابراهيم
يُعد الإشعاع المؤين من الأدوات المهمة في الطب الحديث، ولا سيما في التصوير بالأشعة السينية والتصوير المقطعي المحوسب والطب النووي والإجراءات التداخلية. وعلى الرغم من أن استخدامه الطبي يتم عندما تكون الفائدة السريرية متوقعة، فإن التعرض للإشعاع يمكن أن يؤدي إلى تكوين أنواع الأوكسجين التفاعلية (Reactive Oxygen Species, ROS)، والتي قد تسهم في حدوث الإجهاد التأكسدي وتلف الحمض النووي (DNA) والمكونات الخلوية. لذلك، حظيت الأغذية الغنية بمضادات الأكسدة والمركبات النباتية النشطة حيويًا باهتمام بحثي بوصفها عوامل قد تدعم دفاعات الجسم المضادة للأكسدة. تهدف هذه المقالة إلى استعراض الأدلة المتعلقة بدور بعض الأغذية والمركبات الغذائية في الحد من الاستجابات البيولوجية المرتبطة بالإشعاع لدى المرضى والعاملين في المجال الطبي. تشير الأدلة التجريبية إلى أدوار محتملة لفيتامين C وE، والكاروتينات، والبوليفينولات، والسلفورافين، والكركمين ومركبات الرمان، إلا أن الأدلة السريرية المباشرة ما تزال محدودة. وعليه، يمكن اعتبار النظام الغذائي المتوازن والغني بالفواكه والخضروات عنصرًا داعمًا للصحة، لكنه لا يُعد بديلًا عن إجراءات الحماية من الإشعاع، كما لا توجد أدلة كافية على أن غذاءً معينًا يستطيع إزالة الإشعاع من الجسم أو عكس الضرر الناتج عنه.
المقدمة
يستخدم الإشعاع المؤين على نطاق واسع في التشخيص والعلاج الطبي، وتختلف التأثيرات البيولوجية الناتجة عنه تبعًا لنوع الإشعاع والجرعة ومعدل التعرض وحساسية الأنسجة. ويمكن للإشعاع أن يؤدي إلى تلف الخلايا بطريق مباشر من خلال التأثير في DNA، أو بطريق غير مباشر نتيجة تحلل الماء وتكوين الجذور الحرة وأنواع الأكسجين التفاعلية [1]. ويُعد الإجهاد التأكسدي أحد الآليات المهمة التي قد تسهم في الأذيات الخلوية المرتبطة بالتعرض للإشعاع.
وقد أدى ذلك إلى اهتمام متزايد بدراسة مضادات الأكسدة الغذائية والمركبات النباتية، مثل فيتامين C، وفيتامين E، والكاروتينات، والبوليفينولات، والسلفورافين والكركمين، باعتبارها مواد يمكن أن تدعم أنظمة الدفاع الخلوية. إلا أن معظم الأدلة الأولية جاءت من الدراسات المختبرية والحيوانية، بينما لا تزال الدراسات السريرية لدى الإنسان محدودة [1،2].
التأثيرات البيولوجية للإشعاع ودور مضادات الأكسدة
عند تعرض الأنسجة للإشعاع المؤين، يمكن أن تتولد أنواع الأكسجين التفاعلية التي تتفاعل مع DNA والبروتينات والدهون الغشائية. ويملك الجسم بصورة طبيعية منظومة دفاع مضادة للأكسدة تتضمن إنزيمات مثل superoxide dismutase وcatalase وglutathione peroxidase، إضافة إلى مضادات أكسدة غير إنزيمية مثل فيتامين C وفيتامين E والغلوتاثيون [1].
وقد أظهرت الدراسات أن بعض المركبات النباتية يمكن أن تؤثر في مسارات خلوية مرتبطة بمقاومة الإجهاد التأكسدي، ومن أبرزها مسار Nrf2/ARE. ويؤدي تنشيط هذا المسار إلى زيادة التعبير عن عدد من البروتينات والإنزيمات التي تساهم في حماية الخلية من الإجهاد التأكسدي [2]. ومن بين الأغذية التي تحتوي على مركبات ذات نشاط مضاد للأكسدة الفواكه الحمضية والتوت والرمان والطماطم والخضروات الصليبية والمكسرات والبقوليات.
الأغذية والمركبات الغذائية ذات الأهمية المحتملة
يُعد فيتامين C الموجود في الحمضيات والفراولة والجوافة والفلفل الحلو من أهم مضادات الأكسدة الغذائية القابلة للذوبان في الماء، بينما يوفر فيتامين E الموجود في المكسرات والبذور والزيوت النباتية حماية مهمة للأغشية الخلوية. كما يحتوي الغذاء النباتي على مركبات بوليفينولية وكاروتينات قد تسهم في تنظيم الإجهاد التأكسدي [1].
ويحتوي الرمان على عدد من المركبات البوليفينولية، وقد أظهرت الدراسات التجريبية والسريرية الأولية اهتمامًا بإمكاناته في الحد من بعض الأضرار المرتبطة بالعلاج الإشعاعي. إلا أن معظم هذه الأدلة لا تتعلق بجرعات التصوير التشخيصي المعتادة، ولذلك يجب عدم تعميم النتائج على جميع المرضى [3].
كما حظي الكركمين، وهو أحد المكونات الرئيسية للكركم، باهتمام بحثي بسبب خصائصه المضادة للالتهاب والأكسدة. وقد وجدت بعض الدراسات السريرية تحسنًا في بعض مظاهر التهاب الجلد الناتج عن العلاج الإشعاعي، في حين لم تجد دراسات أخرى تأثيرًا واضحًا، مما يشير إلى الحاجة إلى مزيد من التجارب السريرية قبل اعتماده كتدخل وقائي [4].
أما الخضروات الصليبية، مثل البروكلي والملفوف والقرنبيط، فتحتوي على glucosinolates ومركبات ناتجة عنها مثل sulforaphane، والتي يمكن أن تؤثر في مسارات الدفاع الخلوي ومنها Nrf2. ومع ذلك، فإن الأدلة البشرية المباشرة على الحماية من الإشعاع لا تزال غير كافية لإصدار توصيات علاجية محددة [2].
الأدلة لدى المرضى والعاملين
من الدراسات البشرية المثيرة للاهتمام دراسة صغيرة بحثت تأثير مزيج من مضادات الأكسدة قبل التعرض الإشعاعي التشخيصي، وشملت عشرة أشخاص فقط. وأظهرت النتائج انخفاضًا في أحد المؤشرات الخلوية لتلف DNA لدى المجموعة التي تناولت مضادات الأكسدة [5]. إلا أن صغر حجم العينة، واستخدام مكملات بجرعات محددة، وعدم دراسة النتائج السريرية طويلة المدى، كلها عوامل تمنع اعتبار هذه الدراسة دليلًا كافيًا للتوصية بتناول المكملات لجميع المرضى.
أما العاملون في المجال الطبي، فقد يتعرضون لجرعات منخفضة ومتكررة خلال سنوات العمل، خصوصًا في الأشعة التداخلية والطب النووي. وعلى الرغم من وجود دراسات تشير إلى تغير بعض مؤشرات الإجهاد التأكسدي لدى العاملين المعرضين للإشعاع، فإن الوسيلة الأساسية للوقاية تظل الالتزام بمبادئ الحماية الإشعاعية، مثل تقليل زمن التعرض، وزيادة المسافة، واستخدام التدريع والمراقبة الجرعية.
المناقشة والاستنتاج
تشير الأدلة الحالية إلى أن النظام الغذائي الغني بالفواكه والخضروات والمكسرات والبقوليات والحبوب الكاملة يوفر مجموعة متنوعة من الفيتامينات والمعادن والمركبات النباتية التي تساعد الجسم في الحفاظ على منظومته المضادة للأكسدة. وقد تمتلك بعض هذه المركبات تأثيرات محتملة في الحد من الإجهاد التأكسدي والاستجابات الخلوية المرتبطة بالإشعاع.
ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أن الغذاء لا يستطيع إزالة الإشعاع من الجسم بعد التعرض للأشعة السينية أو التصوير المقطعي، كما لا توجد حاليًا أدلة سريرية كافية تثبت أن تناول غذاء محدد بعد الفحص يمنع السرطان أو يعكس تلف DNA الناتج عن التعرض. ولذلك فإن التوصية الأكثر اتساقًا مع الأدلة الحالية هي اتباع نظام غذائي متوازن ومتنوع، مع تجنب الاستخدام العشوائي للجرعات العالية من المكملات المضادة للأكسدة.
وبالنسبة للعاملين في المجال الطبي، يجب أن تبقى الحماية المهنية والمراقبة الجرعية وتحسين إجراءات العمل هي الأساس في تقليل التعرض. أما التغذية الصحية فتُعد عاملًا مساعدًا للحفاظ على الصحة العامة وقد تدعم قدرة الجسم الطبيعية على التعامل مع الإجهاد التأكسدي، لكنها ليست بديلًا عن الحماية من الإشعاع.
الخلاصة: توجد أدلة بيولوجية واعدة على أن بعض الأغذية والمركبات المضادة للأكسدة قد تؤثر في الاستجابات الخلوية المرتبطة بالإشعاع، إلا أن الأدلة السريرية الحالية لا تسمح باعتبار أي غذاء علاجًا أو وسيلة مؤكدة للوقاية من أضرار الإشعاع المؤين. وتبقى الحاجة قائمة إلى دراسات بشرية أكبر وأكثر دقة لتحديد الجرعات والتوقيت والفئات التي يمكن أن تستفيد فعليًا من التدخلات الغذائية.
المراجع
1. Weiss JF, Landauer MR. Protection against ionizing radiation by antioxidant nutrients and phytochemicals. Toxicology. 2003;189(1-2):1-20. doi:10.1016/S0300-483X(03)00149-5.
2. Clifford T, Acton JP, Cocksedge SJ, Bowden Davies KA, Bailey SJ. The effect of dietary phytochemicals on nuclear factor erythroid 2-related factor 2 (Nrf2) activation: a systematic review of human intervention trials. Mol Biol Rep. 2021;48(2):1745-1761. doi:10.1007/s11033-020-06041-x.
3. Thotambailu AM, Bhandary SK, Sharmila KP. Protective effect of Punica granatum extract in head and neck cancer patients undergoing radiotherapy. Indian J Otolaryngol Head Neck Surg. 2018. doi:10.1007/s12070-018-1297-4.
4. Ryan JL, Heckler CE, Ling M, Katz A, Williams JP, Pentland AP, et al. Curcumin for radiation dermatitis: a randomized, double-blind, placebo-controlled clinical trial of thirty breast cancer patients. Radiat Res. 2013;180(1):34-43. doi:10.1667/RR3255.1.
5. Velauthapillai N, Barfett J, Jaffer H, Mikulis D, Murphy K. Antioxidants taken orally prior to diagnostic radiation exposure can prevent DNA injury. J Vasc Interv Radiol. 2017;28(3):406-411. doi:10.1016/j.jvir.2016.10.022.