ا.د حيدر علي الدليمي
تكشف جلسة التداول في سوق العراق للأوراق المالية يوم الاثنين 28 أيلول/سبتمبر 2026 عن مشهد يتجاوز القراءة المباشرة لارتفاع بعض الأسهم أو تراجع بعضها الآخر، إذ تشير حركة المؤشرات وأحجام التداول إلى استمرار مرحلة من إعادة تموضع السيولة وانتقال كميات كبيرة من الأسهم بين المستثمرين، في وقت لا تزال فيه مؤشرات السوق غير قادرة على تقديم إشارة واضحة بشأن انتهاء موجة التصحيح السعري التي يشهدها السوق.
وأغلق مؤشر ISX60 عند مستوى 961.75 نقطة، منخفضاً بنسبة 0.53%، مقارنة بـ966.92 نقطة في جلسة الأحد و976.17 نقطة في جلسة الخميس 24 أيلول، ليصل إجمالي تراجعه خلال جلستين إلى نحو 1.48%. كما انخفض مؤشر ISX15 من 1208.07 نقطة إلى 1204.03 نقطة، بنسبة بلغت 0.33%.
ولا تكمن دلالة هذه الأرقام في مقدار الانخفاض وحده، وإنما في اتساع نطاق التراجع؛ إذ سجلت 15 شركة انخفاضاً مقابل 6 شركات مرتفعة في السوق النظامي، بما يعكس استمرار الضغوط البيعية على شريحة واسعة من الأسهم، بدلاً من اقتصارها على عدد محدود من الشركات القيادية.
ومع ذلك، فإن المقارنة مع جلسة الأحد تكشف عن نقطة مهمة، تتمثل في تباطؤ سرعة التراجع؛ فقد خسر مؤشر ISX60 في الجلسة السابقة نحو 0.95%، مقابل 0.53% في جلسة الاثنين، بينما تراجع ISX15 بنحو 1.33% في الأحد مقابل 0.33% في الاثنين. وهذا التباطؤ يمثل مؤشراً يستحق المتابعة، لكنه لا يكفي بمفرده للقول إن مرحلة التصحيح قد انتهت، إذ إن تأكيد ذلك يحتاج إلى تحسن متزامن في الأسعار والسيولة واتساع قاعدة الأسهم الصاعدة.
انكماش السيولة الطبيعية
تظهر الصورة بصورة أكثر وضوحاً عند تحليل حركة السيولة. فقد بلغت قيمة التداول في السوق النظامي خلال جلسة الاثنين نحو 834.3 مليون دينار، مقارنة بنحو 1.847 مليار دينار في جلسة الأحد، أي بانخفاض يقارب 55%.
كما تراجع حجم التداول من نحو 582.4 مليون سهم إلى قرابة 472 مليون سهم.
وتشير هذه البيانات إلى انكماش واضح في النشاط الاعتيادي للسوق بالتزامن مع استمرار تراجع المؤشرات، وهو ما يعني أن انخفاض الأسعار لم يكن مصحوباً بزيادة في السيولة النظامية، الأمر الذي يجعل قراءة اتجاه السوق أكثر تعقيداً ويؤكد أهمية التمييز بين السيولة المتداولة بصورة طبيعية والسيولة الناتجة عن الصفقات الاستثنائية.
صفقة مصرف الأنصاري.. لماذا لا تكفي الأرقام الإجمالية؟
شهدت الجلسة في الوقت نفسه نشاطاً استثنائياً في السوق الثاني من خلال التداول على أسهم مصرف الأنصاري، إذ جرى تداول نحو 24.9 مليار سهم بقيمة بلغت قرابة 1.245 مليار دينار في صفقة واحدة عند سعر 0.050 دينار.
وهنا تظهر أهمية قراءة هيكل التداول وليس الاكتفاء بالقيمة الإجمالية للتداولات. فمليار دينار موزع على عدد كبير من الشركات والصفقات يعكس سلوكاً مختلفاً تماماً عن مليار دينار ناتج عن صفقة واحدة ضخمة، ولذلك فإن ارتفاع إجمالي قيمة التداول لا يعني بالضرورة ارتفاعاً مماثلاً في مستوى النشاط الاستثماري العام أو تحسن شهية المستثمرين تجاه السوق.
مصرف المنصور.. حركة كبيرة وسعر شبه ثابت
من أبرز الظواهر التي تستحق المتابعة خلال الجلسات الأخيرة حركة التداول على مصرف المنصور، الذي شهد انتقال كميات كبيرة من الأسهم خلال فترة قصيرة، مقابل تغير محدود جداً في السعر.
ففي جلسة 24 أيلول جرى تداول نحو 119.6 مليون سهم بقيمة تقارب 243.8 مليون دينار، عند إغلاق بلغ 2.03 دينار. وفي جلسة 27 أيلول ارتفع حجم التداول إلى أكثر من 422 مليون سهم بقيمة بلغت نحو 846.6 مليون دينار، قبل أن يسجل في جلسة الاثنين تداول نحو 153.9 مليون سهم بقيمة تقارب 310.7 مليون دينار.
وبذلك تقترب الكمية المتداولة خلال الجلسات الثلاث من 695 مليون سهم، بقيمة إجمالية تقارب 1.4 مليار دينار، مع بقاء سعر السهم ضمن نطاق ضيق للغاية، إذ تحرك من 2.03 دينار إلى 2.01 دينار ثم استقر عند المستوى نفسه تقريباً.
وفي جلسة الاثنين تحديداً، افتتح السهم عند 2.01 دينار، وسجل أعلى سعر عند 2.02 وأدنى سعر عند 2.00، قبل أن يغلق عند 2.01 دينار.
هذه العلاقة بين الحجم الكبير جداً للتداول والتغير المحدود في السعر تجعل السهم حالة مهمة لفهم طبيعة حركة السيولة في السوق خلال هذه المرحلة. فهي تشير إلى وجود كميات كبيرة يجري استيعابها وتبادل ملكيتها ضمن نطاق سعري ضيق حول مستوى الدينارين.
ولا يمكن، استناداً إلى بيانات الجلسات وحدها، الجزم بأن هذه العمليات تمثل تجميعاً أو تصريفاً؛ فمثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى بيانات أوسع عن هوية المتعاملين واتجاهات الملكية وسلوك الطلب والعرض على مدى فترة أطول. لكن من الواضح أن نطاق 2.00–2.03 دينار تحول مؤقتاً إلى منطقة توازن مهمة بين قوى العرض والطلب على السهم.
السوق أمام مرحلة تحتاج إلى قراءة السيولة لا المؤشر وحده
تقدم جلسة 28 أيلول صورة لسوق يتحرك في اتجاه تصحيحي، لكن بوتيرة أقل حدة من الجلسة السابقة، بالتزامن مع تراجع السيولة الاعتيادية وظهور تداولات استثنائية على عدد من الأسهم.
وتبرز هنا أهمية الانتقال من القراءة التقليدية للمؤشر إلى قراءة أكثر شمولاً تجمع بين اتجاه المؤشرات، واتساع قاعدة الارتفاع والانخفاض، وأحجام التداول، وقيمة الصفقات، وحركة الأسهم القيادية.
فالسوق لا يرسل في الوقت الراهن إشارة حاسمة بشأن انتهاء التصحيح، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن نشاط واضح في إعادة توزيع السيولة وانتقال كميات كبيرة من الأسهم بين المتعاملين.
ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة ستكون مهمة لتحديد ما إذا كانت هذه السيولة ستتحول إلى قوة شرائية قادرة على دعم الأسعار، أم ستبقى في إطار إعادة تموضع وانتقال للملكية دون انعكاس واضح على الاتجاه العام.
وبالنسبة للمتابع الاقتصادي، فإن قراءة السوق من خلال جودة السيولة واتجاهها أصبحت أكثر أهمية من مجرد النظر إلى الرقم الإجمالي للتداول؛ لأن القيمة الكبيرة قد تخفي وراءها صفقة استثنائية، بينما قد تكشف الأحجام المتكررة في سهم معين عن تغيرات أعمق في سلوك المستثمرين.
وعليه، فإن مراقبة جلسات التداول المقبلة، ولا سيما سلوك المؤشرات والأسهم القيادية وحجم السيولة المصاحبة لأي ارتفاع أو انخفاض، ستبقى العامل الأهم في تحديد طبيعة المرحلة التي يمر بها سوق العراق للأوراق المالية.