إقرار وتطبيق ممارسات المختبرات الجيدة (Good Laboratory Practice - GLP) بدات بقصة مختبرات إندستريال بايو تيست (Industrial Bio-Test Laboratories - IBT) تُعد واحدة من أكبر وأبشع الفضائح العلمية والتجارية في تاريخ الولايات المتحدة، وهي الفضيحة التي غيّرت مفهوم رقابة سلامة الأدوية والمنتجات في العالم إلى الأبد.
في خمسينيات القرن الماضي، وتحديداً في ولاية إلينوي الأمريكية، تأسست مختبرات الأبحاث البيولوجية الصناعية IBT. بدأت الشركة كمختبر أبحاث وتجارب مستقل يهدف إلى إجراء دراسات السمية والسلامة البيولوجية للكيميائيات، والمبيدات الحشرية، والأدوية، ومستحضرات التجميل لحساب كبرى الشركات العالمية. وبحلول سبعينيات القرن الماضي، كانت IBTأضخم مختبر تجاري لتقييم السمية في الولايات المتحدة، متحمّلة مسؤولية إجراء ما يقرب من 35% - 40% من إجمالي دراسات السلامة الكيميائية الصادرة في البلاد. في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كان مختبر IBT الواقع في ولاية إلينوي الذي اعتبر أكبر مختبر خاص للاختبارات البيولوجية والسمية في الولايات المتحدة.
كانت الشركات والحكومة (مثل هيئة الغذاء والدواء FDA ووكالة حماية البيئة EPA) تعتمد كلياً على تقارير IBT لمنح التراخيص للمنتجات.
لكن في عام 1975، كان أحد عالمي السموم في هيئة الغذاء والدواء (FDA)، ويدعى د. أدريان غروس (Adrian Gross)، يراجع تقريراً قدمته شركة منتجة لدواء مضاد للالتهابات يُدعى Naprosyn لاحظ غروس أمراً غريباً جداً في التقرير الصادر من مختبر IBT:
كانت البيانات تنص على أن الفئران كانت تتمتع بصحة ممتازة وتخضع للتحليل، في حين أن نفس جدول البيانات أظهر أن هذه الفئران كانت قد ماتت قبل ذلك بأشهر!
أثار هذا الشكوك، وقرر غروس إجراء مراجعة ميدانية مفاجئة لمقرات مختبر IBT.
عندما دخل مفتشو الحكومة إلى مقر المختبر، صُدموا بما وجدوه حيث وجدوا بيئة ملوثة ومروعة: كانت أقفاص حيوانات التجارب متسخة، ونظام الرش الآلي المخصص لتنظيف الأقفاص كان يُغرق الفئران والأرانب بالمياه الملوثة بالبراز.
عندما كانت الفئران تُصاب بأورام سرطانية وتفارق الحياة نتيجة التعرض لمواد كيميائية، كان موظفو المختبر يرمون الجثث في القمامة.
ثم يكتبون في التقارير: الحيوان خالي من الأورام وبصحة جيدة.
في أحيان أخرى، عندما تموت الفئران المسجلة في التجربة، كان المختبر يستبدلها ببساطة بفئران جديدة شابة من السوق ويستكمل التجربة دون ذكر ذلك في التقرير!
اختراع بيانات وهمية (Data Fabrication): أقرّ بعض الموظفين لاحقاً بأن رؤساءهم أمروا بـتأليف نتائج تحاليل الدم والانسجة من الخيال دون إجراء أي فحوصات مخبرية مطلقاً لتوفير الوقت والمال.
أحدثت الفضيحة زلزالاً في القطاع الطبي والصناعي التحقيق الشامل: أعادت السلطات مراجعة أكثر من 22,000 دراسة اختباريّة أجراها المختبر. وتبين أن أكثر نسبة الفحوصات غير الصالحة/المزورة إجمالاً: قدرت وكالة EPA أن ما بين 80% إلى 84% من جميع الدراسات والبيانات التي قدمها المختبر لدعم تسجيل المواد الكيميائية كانت باطلة، مزورة، أو غير موجودة بالأساس. (أي أن حوالي 16% إلى 20% فقط من إجمالي فحوصات IBT كانت صالحة علمياً).
المحاكمة والسجن: في عام 1983، أدين كبار المسؤولين في المختبر وعلى رأسهم رئيس المختبر د. الدكتور جوزيف كالاندرا بتهمة الاحتيال الجماعي على الحكومة الفيدرالية وتزوير النتائج العلمية، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن الفعلي.
كان لسقوط مختبر Industrial Bio-Test أثر إيجابي دائم في عالم الدواء والصناعة:
ولادة قواعد الممارسات المعملية الجيدة (GLP): بسبب هذه الفضيحة، أصدرت هيئة الـ FDA عام 1978 قوانين صارمة جداً تُعرف بـ (Good Laboratory Practice (GLP وهي المعايير التي تلتزم بها جميع مختبرات العالم اليوم، والتي تضمن تسجيل كل التفاصيل الدقيقة وتتبع خط سير أي عينة أو حيوان تجارب.
استقلالية التدقيق: لم يعد يُسمح للمختبرات بإعطاء تقارير مغلقة دون أن تخضع لزيارات تفتيشية مفاجئة وركائز تدقيق متقاطعة من جهات حكومية مستقلة.
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق
قسم تقنيات المختبرات الطبية الاول في التصنيف الوطني العراقي