لقد تحول الانجذاب نحو الواقع الافتراضي (VR) والذكاء الاصطناعي (AI) من مجرد أداة تقنية إلى ظاهرة اجتماعية متجذرة تفرض هيمنتها على تفاصيل الحياة اليومية، حيث تساهم الخوارزميات في تشكيل سلوكيات الأفراد وتوجيه نمط استهلاكهم بشكل تلقائي. ولا يقتصر هذا التأثير على زيادة الوقت الذي يقضيه المستخدمون أمام الشاشات، بل يمتد إلى إعادة صياغة العلاقات الاجتماعية ومعايير النجاح والجمال وصورة الذات، بما قد يعزز المقارنة الاجتماعية والقلق والحاجة المستمرة إلى التفاعل والقبول الرقمي. وتواجه النساء بصورة خاصة ضغوطًا إضافية نتيجة انتشار الصور النمطية والمحتوى الموجَّه تجاريًا والتحيزات الخوارزمية، إذ يمكن للمنصات أن تتيح لهن فرصًا للتعلم والتعبير والعمل وبناء شبكات الدعم، لكنها قد تعيد في الوقت نفسه إنتاج التمييز وتدفع نحو تهميش التجارب المتنوعة كما أن الاستخدام المكثف للعوالم الافتراضية قد يؤدي إلى إضعاف التفاعل المباشروالعزلة الاجتماعية، فضلًا عن احتمالات القلق واضطراب الانتباه والسلوك الإدماني لدى بعض المستخدمين .ومن ثمّ، فإن التعامل مع هذه الظاهرة لا ينبغي أن يقوم على رفض التقنية، بل على ترسيخ وعي رقمي يوازن بين فوائدها ومخاطرها، ويشجع السيدات على ضبط زمن الاستخدام، والتحقق من المعلومات، وحماية الخصوصية، وفهم آليات عمل الخوارزميات، والمطالبة بتقنيات أكثر عدالة وشفافية.
وتبين الدراسات أن الاستخدام الطبيعي للتقنيات الحديثة يختلف عن الهوس الرقمي، الذي يظهر في فقدان السيطرة على وقت الاستخدام، والانشغال الدائم بالعالم الافتراضي، وتفضيل التفاعل الرقمي على العلاقات والواجبات الواقعية، وقد تسهم الخوارزميات التي تشجع التفاعل المستمر في إضعاف الإحساس بحدود الواقع وتقليل التعاطف والتواصل المباشر ، مع اختلاف هذه الآثار بحسب العمر والجنس ونوع الاستخدام والظروف النفسية والاجتماعية، بينما تواجه النساء ضغوطًا إضافية مثل المقارنة بالمظهر والتحرش الإلكتروني وتعزيز الصور النمطية عبر المنصات والمساعدات الذكية، رغم ما توفره هذه الأدوات من فرص للتعلم والعمل والتعبير عن الذات، ولذلك تبرز أهمية التثقيف الرقمي الذي يدرب السيدات على فهم آليات التوصية، وفحص موثوقية المحتوى، وحماية الخصوصية والهوية الرقمية، وتنظيم وقت الشاشة، وممارسة أنشطة واقعية، وطلب الدعم النفسي أو الأسري عند تأثر الحياة اليومية.
ينتشر التعلق المفرط بالتقنيات الافتراضية والذكية نتيجة تداخل عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية، إذ تمنح المستخدم شعورًا بالحضور والانتماء وإمكان تقديم صورة مختلفة عن ذاته، وتوفر ملاذًا مؤقتًا من ضغوط الحياة أو تعويضًا عن بعض أوجه القصور في العلاقات الواقعية، بينما تدفع الخوارزميات إلى متابعة محتوى يلائم الاهتمامات الشخصية والتفاعل المستمر، وقد يؤدي ذلك إلى إطالة زمن الاستخدام وتحوله من نشاط نافع إلى عادة يصعب ضبطها، كما تشجع المقارنة بالآخرين والخوف من تفويت الأخبار والفرص النساء على متابعة الصور والمنشورات والأدوات الذكية باستمرار، ولا سيما حين ترتبط هذه التقنيات بالتعلم والعمل والتسويق وبناء العلاقات، غير أن المشكلة لا تكمن في التقنية ذاتها، فالواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي قد يقدمان فوائد تعليمية وصحية ومهنية، وإنما تظهر المخاطر عند غياب التنظيم والوعي النقدي أو عند التعامل غير الآمن مع البيانات والصور الشخصية، ولذلك تستلزم المواجهة تعليم السيدات التمييز بين الاستخدام المفيد والاستخدام القهري، ومراجعة إعدادات الخصوصية، وتعطيل التنبيهات غير الضرورية، وتخصيص أوقات للابتعاد عن الشاشات، وتعزيز الحوار الأسري والمؤسسي، وإلزام المنصات بالشفافية وتحمل المسؤولية.
استراتيجيات التوعية والمواجهة
لمواجهة هذه الظاهرة وحماية المرأة مع ضمان استفادتها الإيجابية من التكنولوجيا، يجب تفعيل مسارات مواجهة شاملة:
التوعية الرقمية والنفسية
• تفكيك وهم الكمال: إطلاق حملات إعلامية ومجتمعية تسلط الضوء على زيف المظاهر الرقمية المصممة بالذكاء الاصطناعي وتأثيرها على الصحة النفسية.
• نشر الثقافة الأمنية: تدريب النساء والفتيات على آليات حماية الخصوصية، والتعرف على تقنيات التزييف العميق، وكيفية التعامل مع التحرش أو الابتزاز الرقمي.
الدعم النفسي والاجتماعي
• تعزيز الروابط الواقعية: تشجيع الأنشطة المجتمعية، والرياضية، والثقافية التي تعيد دمج المرأة في محيطها الاجتماعي الحقيقي.
• الإرشاد النفسي المتخصص: توفير عيادات ومراكز استشارية تتعامل مع "إدمان الشاشات" والتعلق العاطفي بالذكاء الاصطناعي كاضطرابات سلوكية حديثة.
الحلول التقنية والتشريعية
• سَنّ قوانين صارمة: تجريم الاستخدام المسيء للذكاء الاصطناعي ضد النساء، مثل فبركة المحتوى المرئي والمسموع دون إذن.
• أخلاقيات الذكاء الاصطناعي: الضغط على الشركات المطورة لدمج فواصل زمنية، وتحذيرات صحية، وتقييدات تحمي المستخدمين من الانغماس المفرط.
اعداد: سجا لطيف سلمان
جامعة المستقبل الجامعة الاولى في العراق
قسم تقنيات المختبرات الطبية الاول في التصنيف الوطني العراقي .